حكيمي اليوم… ومن غداً؟ عندما يصبح بعض النجوم الأجانب هدفاً مفضلاً لعواصف الاتهامات في فرنسا

ضربة قلم
بعيداً عن تفاصيل الملف القضائي، الذي يبقى من اختصاص المحاكم وحدها، وبعيداً عن أي محاولة للتأثير على القضاء أو التشكيك في حق أي شخص في اللجوء إلى العدالة، يحق للمتابع أن يطرح سؤالاً بسيطاً: لماذا تتحول بعض القضايا المرتبطة بنجوم أجانب إلى ما يشبه المسلسلات الطويلة التي تسبق الأحكام بسنوات؟
اليوم يتابع الرأي العام قضية الدولي المغربي أشرف حكيمي، وقبلها تابع قضايا أخرى طالت أسماء عالمية في الرياضة والفن والسياسة. بعض الملفات انتهت بالإدانة، وبعضها انتهى بالحفظ أو البراءة، وبعضها تبخر كما ظهر. لكن القاسم المشترك بينها جميعاً أن العقوبة الإعلامية، غالباً ما تبدأ قبل العقوبة القضائية، وأحياناً تكون أشد منها.
ففي زمن الشبكات الاجتماعية، يكفي أن يظهر اسم نجم كبير في عنوان مثير، حتى تبدأ المحاكمة الشعبية. لا أحد ينتظر قرار القاضي، ولا أحد يهتم كثيراً بقاعدة قانونية بسيطة اسمها “قرينة البراءة”. فجأة يتحول المتهم إلى مذنب في نظر البعض، بينما يتحول المشتكي إلى صاحب الحقيقة المطلقة في نظر آخرين، وتضيع العدالة بين معسكرين لا يبحثان عن الحقيقة بقدر ما يبحثان عن الانتصار.
المثير أن فرنسا نفسها، التي ترفع لواء حقوق الإنسان والحريات الفردية، مدينة في جزء كبير من نجاحها الرياضي الحديث، لأبناء الهجرة وللنجوم ذوي الأصول الأجنبية. فالمنتخب الفرنسي الذي رفع كأس العالم، أكثر من مرة، لم يكن نتاج قرية فرنسية صغيرة معزولة عن العالم، بل كان صورة لفرنسا متعددة الأصول والثقافات. من أفريقيا إلى الكاريبي إلى شمال أفريقيا، ساهم آلاف الرياضيين في صنع أمجاد الرياضة الفرنسية.
لكن المفارقة، تظهر أحياناً عندما يتحول بعض هؤلاء النجوم، إلى عناوين يومية في ملفات لا تزال في بدايتها القضائية. هنا يطرح السؤال نفسه: هل أصبح بعض المشاهير، يعيشون تحت مجهر استثنائي لا يخضع له غيرهم؟
لا أحد فوق القانون، وهذه قاعدة لا نقاش فيها. وإذا ثبتت مسؤولية أي شخص، مهما كان اسمه أو شهرته أو جنسيته، فعليه أن يتحمل نتائج أفعاله. لكن في المقابل، لا أحد يجب أن يُدان فقط، لأن اسمه مشهور، أو لأن صورته تتصدر أغلفة الصحف.
المشكلة الحقيقية أن بعض وسائل الإعلام الحديثة، لم تعد تنتظر الأحكام. يكفي أن تبدأ المتابعة حتى تتحول القضية إلى مادة استهلاكية يومية. المحللون يظهرون، والخبراء يتكاثرون، والاتهامات تتضخم، بينما الحقيقة ما زالت جالسة بهدوء داخل ملفات التحقيق.
ولو استمر هذا المنطق في التوسع، فقد نصل يوماً إلى مرحلة ساخرة فعلاً، يصبح فيها السؤال الموجه للنجوم ليس: ماذا فعلتم؟ بل: لماذا لم تفعلوا ما يتوقعه الناس منكم؟ ولماذا لم تتصرفوا بطريقة، تمنع أي شخص من اتهامكم أصلاً؟
في النهاية، لا يحتاج أشرف حكيمي إلى محكمة إعلامية، ولا تحتاج المدعية إلى حملة تشكيك مسبقة. ما يحتاجه الجميع هو قضاء مستقل، يقول كلمته بناء على الأدلة لا على العواطف، وعلى الضجيج الإعلامي.
أما الباقي، فهو مجرد صخب يملأ الشاشات ويشعل مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يختفي فور صدور الحكم لينتقل الجميع إلى قضية جديدة، ونجم جديد وعاصفة جديدة.
ويبقى المبدأ الذي يجب أن يحكم أي نقاش حضاري بسيطاً: من حق أي شخص أن يشتكي، ومن حق أي متهم أن يدافع عن نفسه، ومن حق العدالة وحدها أن تفصل بين الروايات المتناقضة. وما عدا ذلك، يبقى مجرد آراء وانطباعات، لا ترقى إلى مرتبة الأحكام.



