
ضربة قلم
في سابقة لافتة أثارت انتباه الرأي العام المحلي، شهد سوق “القريعة” الشهير بمدينة الدار البيضاء خلال اليومين الماضيين تحركات غير معتادة، بعدما شنت مصالح الجمارك المغربية حملة ميدانية واسعة النطاق، استهدفت عدداً كبيراً من المحلات التجارية التي يُشتبه في تورطها في ترويج منتوجات مقلدة تحمل علامات تجارية عالمية.
هذه الحملة المفاجئة أربكت التجار ورواد السوق على حد سواء، حيث ساد جو من التوتر والقلق، دفع العديد من أصحاب المحلات إلى إغلاق أبوابهم على عجل فور رصدهم لتحركات عناصر الجمارك داخل السوق. عمليات المداهمة التي طالت عشرات المحلات تم خلالها حجز كميات معتبرة من السلع المشكوك في قانونيتها، وسط تذمر وارتباك ظاهر في صفوف التجار، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع سلطة ضبط تحاول فرض النظام داخل سوق طالما اشتهر بتداول المنتجات المقلدة.
هذا التدخل من طرف الجمارك لم يكن معزولاً عن السياق العام، بل يندرج ضمن مجهود وطني لمحاصرة التجارة غير القانونية التي تنتهك حقوق الملكية الفكرية وتشكل تهديداً مزدوجاً: من جهة تسيء إلى صورة المغرب الاقتصادية في الداخل والخارج، ومن جهة أخرى تخلق مناخاً تجارياً غير متوازن، يُضرب فيه المنتج الأصلي ويُكافَأ فيه المقلِّد.
ورغم مشروعية هذه الجهود من زاوية القانون، إلا أن الحملة أثارت جدلاً في أوساط المتتبعين، لاسيما من جهة ما قد تخلفه من تداعيات اجتماعية واقتصادية. فـ”سوق القريعة”، على الرغم من سمعته المرتبطة بالبضائع المقلدة، يظل فضاءً حيوياً يؤوي آلاف العاملين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يشكلون جزءاً من النسيج الاقتصادي غير المهيكل الذي يعتمد عليه عدد لا يستهان به من الأسر المغربية كمصدر رزق يومي.
في هذا الإطار، يرى عدد من الفاعلين في مجال حماية المستهلك أن الإشكال القائم لا يكمن فقط في وجود سلع مقلدة، بل في غياب حلول هيكلية تسمح بإعادة توجيه هذه الطاقات نحو قطاع منظم، دون المساس بكرامة العاملين فيه أو تعريضهم للهشاشة. ويرتبط الأمر كذلك بضرورة مراجعة السياسات الصناعية والتجارية، بشكل يتيح استيعاب هذه الفئة من المهنيين عبر فتح قنوات قانونية واضحة تضمن لهم الاندماج في الاقتصاد الرسمي، دون أن يظلوا رهائن للقطاع الموازي أو ضحايا لحملات موسمية قد تفقدهم مصدر عيشهم الوحيد.
في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة لا تكتفي بالزجر والمداهمة، بل تُزاوج بين حماية حقوق العلامات التجارية ومصالح الاقتصاد الوطني، وبين واجب الدولة في صيانة كرامة المواطن البسيط وضمان حقه في العيش الكريم. ذلك أن الاقتصار على المقاربة الأمنية قد يُفرغ النوايا النبيلة من محتواها، إذا لم تواكبها إجراءات عملية تراعي طبيعة النسيج الاجتماعي والاقتصادي المغربي.
ويبقى الأمل معقوداً على انخراط جميع الأطراف: الدولة، ممثلي المهنيين، والمجتمع المدني، في حوار بنّاء يُفضي إلى بلورة حلول واقعية، تحاصر التزييف وتحصن الاقتصاد، دون أن تُسقط ضحايا جدد في شباك البطالة والتهميش. فمعالجة ظاهرة السلع المقلدة لا يجب أن تكون فقط معركة قانون، بل أيضاً معركة وعي، وتخطيط، وتوازن.




