الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين أعلن المدير وفاة أبيه… وهو واقف أمام الباب

م-ص

قبل أن تنفتح ستارة الحكاية، دعونا نضع الحقيقة على الطاولة، كما توضع المرآة، أمام وجهٍ لا يريد أن يرى نفسه:
الامتنان لا قبيلة له، والجحود كذلك.
البرّ بالوالدين ليس له حزب ولا لون ولا جغرافيا، والعقوق أيضًا، لا يحتاج إلى بطاقة تعريف.

هي قصة واقعية، لكنها تمشي على أطراف الشعر، وتتعثر أحيانًا بوجعٍ لا يُرى.

في صباحٍ عادي من صباحات المحمدية، تلك المدينة التي تعرف كيف تخبّئ حكاياتها، خلف هدير المصانع ورائحة البحر، كان الحارس يجلس خلف مكتبٍ صغير عند بوابة شركة إنتاجية “قد الدنيا”.
بوابة حديدية ضخمة، تمرّ منها الشاحنات، كأنها في سباق مع الزمن، وتخرج منها أحلام العمال ممزوجة برائحة العرق والحديد.

كان الرجل بسيطًا.
حارسًا فقط.
لكن في عينيه، دفء لا يُدرَّس في الجامعات.

ذلك الصباح، طرق الباب بخفّةٍ مترددة.
ليس طرقًا واثقًا، ولا طرقًا خائفًا، بل طرق من جاء، من بعيد وهو يخشى أن يُقال له: “أخطأت العنوان”.

رفع الحارس رأسه.
رأى شيخًا بوجهٍ قمحيٍّ أكلته الشمس، وتجاعيد محفورة، كأنها خرائط سنواتٍ من الكدّ.
جلباب بسيط، حذاء متعب، وعينان فيهما شيء من الرجاء… وشيء من الكبرياء.

قال الشيخ بصوتٍ مبحوح:
— “ولدي… واش هنا كاين الإدارة؟ بغيت غير نشوف ولدي… راه خدام هنا… مدير.”

توقّف الزمن لحظة.
مدير؟
نعم، الاسم الذي ذكره الشيخ ليس اسمًا عابرًا.
إنه واحد من كبار المديرين بالمؤسسة. رجلٌ لمع نجمه سريعًا، صعد الدرجات، كأنه لا يلمسها.

استقبل الحارس الرجل، كما يُستقبل الأب.
أجلسه.
قدّم له كأس ماء.
ابتسم في وجهه.
ثم رفع الهاتف واتصل بالإدارة.

— “سيدي، كاين واحد السيد كيقول بلي هو الوالد ديالك… جاي من بعيد وباغي يشوفك.”

صمت قصير في الطرف الآخر.
صمت يشبه الفراغ قبل السقوط.

ثم جاء الجواب… باردًا… قاطعًا… كحدّ السكين:

— “والدي؟! والدي متوفّي.”

تجمّد الحارس.
لم يفهم في البداية.
أعاد السؤال بنبرة مترددة:
— “سيدي، راه معايا هنا…”

قاطعه الصوت نفسه، هذه المرة أكثر حدّة:
— “قلت لك والدي مات. ما عندي من نخبي.”

انتهت المكالمة.

لم يكن الحارس مستعدًا لمواجهة ذلك المشهد.
التفت إلى الشيخ…
كيف يخبر رجلاً قطع مسافات، ربما باع خروفًا أو استدان ثمن الطريق، أن ابنه أعلن وفاته، وهو ما يزال يتنفس أمامه؟

الشيخ كان ينظر إلى الباب المؤدي للإدارة.
ينتظر أن يُفتح.
أن يخرج منه الابن ببدلة أنيقة، يحتضنه، يقول له: “والدي… تأخرت عليك.”

لكن الباب لم يُفتح.

لا أحد خرج.

لا أحد جاء.

لا شيء… سوى صمتٍ ثقيل.

قال الحارس شيئًا… ربما حاول أن يلطّف الكذبة.
ربما قال إن المدير في اجتماع.
ربما قال إن الظرف لا يسمح الآن.
صراحة… لم يعد يتذكر الكلمات.

كل ما يتذكره هو تلك الدمعة.
دمعة لم تسقط فجأة، بل خرجت ببطء… كأنها كانت تقاوم منذ سنوات.

الشيخ طأطأ رأسه.
لم يحتج إلى تفسير طويل.
القلوب حين تُكسر، تفهم بسرعة.

نهض ببطء.
شكر الحارس.
ومشى.

لم يصرخ.
لم يسبّ.
لم يفضح.

فقط عاد من حيث أتى.

وربما في طريق العودة، كان يعيد ترتيب الذكريات:
أيام الحصاد.
ليالي البرد.
سنوات التضحية.
دفاتر المدرسة التي اشتراها رغم الفقر.
الأحذية التي رقّعها ليشتري لابنه كتبًا.

ربما كان يسأل نفسه سؤالاً واحدًا:
متى متُّ في عينيه؟

المدير؟
حياته كانت تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

رجل تزوج امرأة أجنبية.
غير لهجته قليلًا.
بدّل هندامه.
أعاد صياغة سيرته الذاتية… حتى جذوره صارت “تفصيلًا غير ضروري”.

كان المال يصعد به بسرعة.
مشاريع.
صفقات.
سفر.
صور في الصحف والمجلات المتخصصة في الاقتصاد.

حرق مراحل، كما يُحرق الوقود في سباقٍ محموم.
صار اسمه يُذكر في الصالونات.
يُستضاف في الندوات.
يُقدَّم كنموذج “النجاح العصامي”.

لكن الحياة… لا تنسى.

الريح التي ترفع السفن، قادرة أيضًا على قلبها.

بدأت الخيوط تتفكك.
صفقة فاشلة.
استثمار متهور.

أصدقاء تخلّوا عنه، كما تخلّى هو يومًا.

الشهرة انكمشت.
الهواتف قلّت.
الصحافة صمتت.

ثم جاء السقوط.
سريعًا.
قاسيًا.
مدوّيًا.

إفلاس.
قضايا.
ضغط.
اختفاء.

وغادر المغرب.

غادر كما غادر أبوه بوابة الشركة يومًا…
منحني الرأس.

لا أحد يعرف، إن كان التقيا بعد ذلك.
لا أحد يعرف، إن كان القدر منحه فرصة اعتذار.

لكن المؤكد أن الدائرة دارت.

فالذي أنكر الأصل، اقتلعته الريح من فرعه.
والذي قال يومًا: “والدي متوفّي”، دفن شيئًا في داخله، قبل أن يدفن غيره.

في النهاية…
المال لا يعوّض دفء اليد التي أمسكت بك، وأنت تتعلم المشي.
والنجاح الذي يُبنى على إنكار الجذور، يشبه بيتًا بلا أساس.

الامتنان لا قبيلة له.
ولا يحتاج إلى شهادة عليا.
هو فقط قلبٌ يعرف من أين بدأ.

ويبقى السؤال معلقًا في هواء المحمدية، بين بوابة المصنع وطريق القرية البعيدة:

كم من أبٍ يمشي اليوم حيًّا…
وقد أُعلن موته في قلوب أبنائه؟

تنبيه: الصورة تعبيرية محضة، لا تمتّ بصلة إلى أشخاص القصة، أو أحداثها، وقد استُخدمت فقط، لأغراض فنية لتجسيد الفكرة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.