حين بكت المحمدية بالحافلات : جنازة تلميذ، شكاية قياسية، ودرس قديم في كيف تُدار السلطة

محمد صابر
اليوم، وضمن سلسلة الذاكرة الصحفية التي نعود إليها، كلما ضاق الحاضر واتسعت الحاجة إلى التذكير، نستحضر واقعة تعود إلى حوالي ثلاثين سنة، واقعة قد تبدو للبعض تفصيلاً عابراً، لكنها في عمقها مرآة صافية، لزمنٍ كانت فيه السلطة تُختبر، والصحافة تُمتحن، والمشاعر الإنسانية تختلط بالامتيازات غير المعلنة.
حدث أن توفي تلميذ، رحمه الله، كان يدرس بإحدى ثانويات المنطقة العليا لمدينة المحمدية. وفاة مفجعة، لا خلاف حول ذلك، فالموت حين يختطف شاباً في مقتبل العمر لا يترك خلفه سوى الأسى والأسئلة الثقيلة. التلميذ لم يكن سوى ابن أحد المقربين جداً، عائلياً، من عامل عمالة المحمدية آنذاك. تعددت الأسباب، كما يُقال، والموت واحد، لكن الحزن كان واحداً أيضاً، عمّ الأسرة، وخلّف جرحاً عميقاً في قلب الوالدين وكل من عرف الفقيد.
غير أن المأساة لم تتوقف عند حدود الفقد الإنساني، بل سرعان ما تحولت إلى واقعة إدارية/سياسية/إعلامية بامتياز.
ما الذي حدث بعد ذلك؟
حدث أن باشا المدينة اتصل بشركة حافلات الراحة، المكلفة آنذاك بالنقل الحضري داخل تراب مدينة المحمدية. لسنا ندري – إلى اليوم – هل تم ذلك بتعليمات مباشرة من العامل، أم باجتهاد شخصي من الباشا، أم بدافع “النية الحسنة” التي كثيراً ما تُستعمل لتبرير تجاوز المساطر. النتيجة واحدة: وضع عدد من الحافلات رهن إشارة تلاميذ الثانوية، لنقلهم جماعياً، من أجل المشاركة في مراسيم جنازة التلميذ الراحل.
سابقة لم تعرفها المدينة من قبل، وربما لم تعرفها حتى بعدها. تلاميذ يُنقلون بحافلات شركة خاصة، وبالمجان، خلال زمن دراسي، للمشاركة في جنازة، ليس لكون الفقيد تلميذاً فقط، بل لكونه “ابن مقرب من العامل”.
الحدث، من زاوية صحفية، كان خبراً بامتياز. خبراً يستدعي النشر، والتعليق، وطرح الأسئلة، لا التشفي ولا الاستفزاز. وهذا ما قمنا به، بصفتنا مديراً لجريدة ورقية جهوية، من تلك القلة القليلة التي كانت تؤمن آنذاك بأن الصحافة الجهوية، ليست نشرة علاقات عامة، ولا ملحقاً للسلطة، بل عيناً تراقب وقَلَماً يسجل.
لكن الخبر المنشور لم يرق لوالد المرحوم.
فوجئنا، يوم خميس، بوضع شكاية رسمية ضدنا، مرفوعة إلى النيابة العامة بابتدائية المحمدية. إلى هنا، قد يبدو الأمر عادياً في سياق علاقة متوترة بطبيعتها بين الصحافة والنفوذ. غير أن غير العادي، بل الاستثنائي، هو ما تلا ذلك.
النيابة العامة أصدرت تعليماتها بسرعة قياسية إلى رئاسة أمن المدينة، وفي يوم الأحد الموالي، توصلنا باستدعاء من طرف الشرطة القضائية. سرعة في التفاعل، وسلاسة في المسار، تكاد تحطم الرقم القياسي في “أسرع شكاية تنتقل من مكتب إلى مكتب”، وربما – مع قليل من المبالغة الصحفية المشروعة – على الصعيد الدولي.
الاثنين، حملنا الاستدعاء الأزرق، ذاك الذي يمنحك شعوراً عابراً، وكأنك متهم في قضية اغتيال كبرى، وتوجهنا إلى مقر رئاسة أمن المدينة. استقبلنا رئيس الأمن بحفاوة لافتة، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن المدينة بلا شكايات ولا ملفات.
قدمنا له الاستدعاء، وسألناه، ونحن نعرف موضوعه يقيناً:
– “على ماذا يتعلق هذا الاستدعاء؟”
أقسم الرجل، وبسرعة البرق، وبالله، أنه لا يعرف.
لم نحتج إلى أكثر من ثانية واحدة للرد. قلنا له بهدوء:
– “أنت حاج بيت الله، ونعلم علم اليقين، أن لا أحد يمكنه إحالة شكاية إلى الشرطة القضائية غيرك.”
هممنا بالمغادرة. هنا فقط تغيّر المشهد. طلب منا الجلوس.
وردا على سرعتهم، شرحنا له، دون لف ولا دوران، أننا بصدد قفل عدد جديد من الجريدة، وأن مواردنا البشرية محدودة، ولا يسمح لنا الوقت بالانخراط في مساطر عبثية. رفع سماعة الهاتف الثابت، واتصل برئيس الشرطة بالنيابة، لأن الرئيس الفعلي كان في عطلة. وهو يتحدث في الهاتف، التفت إلينا، وبنبرة من يظن نفسه الأذكى، سأل:
– “متى ستتفرغ؟”
أجبناه :
– “لا نعرف.”
ودعناه، وعدنا أدراجنا.
لكننا، كصحافيين، لم نكتف بذلك. كان لزاماً علينا أن نتوسع في البحث، وأن نعزز العدد الجديد بمقالة إضافية، تصب في صميم الموضوع. أشرنا فيها، بالأدلة والوقائع، إلى أن مدينة المحمدية شهدت خلال نفس السنة الدراسية، رحيل أستاذين اثنين، ولم تحظ جنازتاهما لا بحافلات، ولا بتنظيم، ولا بـ”عناية خاصة”. لأنهما، ببساطة، لم يكونا من أقارب عامل المحمدية.
بعد أن هدأت العاصفة، انتقلنا إلى مقر الشرطة القضائية للرد على الشكاية. جلس ضابط الشرطة يستمع ويدوّن. وفي لحظة، كتب في المحضر عبارة:
“عامل صاحب الجلالة”.
قاطعناه فوراً، وقلنا له بوضوح:
– “نحن من سيوقع هذا المحضر، والعامل يتقاضى أجرته من الدولة، ولا داعي لإقحام جلالة الملك في موضوع إداري/صحفي لا علاقة له بالمؤسسة الملكية.”
أجبرناه على مسح تلك العبارة واستبدالها بـعامل عمالة المحمدية، ليعكس الواقع بشكل دقيق ودون أي تجميل أو تضخيم.
تفصيل صغير، لكنه يكشف الكثير عن ذهنية كانت – ولا تزال – ترى في كل مسؤول ظلّاً لشيء أكبر منه.
بعد أقل من أسبوع، بلغنا أن الملف سلك طريقه إلى الحفظ، بالتمـاس شفوي من العامل نفسه. هكذا، وببساطة.
الملف تحرك بسرعة البرق، وكأن الجميع متحمسون للقصاص مني، لكنه توقف بنفس السرعة، وكأن قوة الأشياء فرضت حدًّا للتسرع، وجعلت كل ذلك الزخم يتبدد فجأة.
هذه الواقعة لم تكن الشكاية الأولى التي رفعت ضدنا، ولن تكون الأخيرة. وما زلنا، إلى اليوم، متهمين بـ”سخونة الرأس”، وبالكتابة دون مكابح. تهمة نعتبرها وساماً، في زمنٍ صار فيه الصمت حكمة مزيفة، والحياد تواطؤاً ناعماً.
إنها مجرد واقعة من ذاكرة مدينة، لكنها تقول الكثير عن كيف كان يُدار النفوذ، وكيف كانت تُختبر الصحافة، وكيف يُقاس الحزن حين يمر عبر ميزان السلطة.



