حين تؤذي الطيبة أصحابها… تأملات حزينة في حسن النية وسط عالمٍ لا يُشبهها

م-ص
ليس كل ما يُكسَر في العلاقات الإنسانية، سببه الخداع أو سوء القصد؛ أحيانًا يكون السبب، هو ذلك الضوء الزائد، الذي نحمله في أرواحنا، ونمشي به، في طرق لا تحب الإضاءة. حسن النية، في كثير من الأحيان، لا يُستقبل بوصفه فضيلة، بل يُساء فهمه كفراغ، كمساحة مباحة، كدعوة غير معلنة للاختبار والاستغلال.
في فضاءات العمل، حيث تُدار العلاقات بعقل بارد، وتُوزن الكلمات بميزان المنفعة، يدخل صاحب النية الحسنة، متأخرًا دائمًا عن قواعد اللعبة. يظن أن الوضوح، يُنقذ الوقت، وأن الصراحة، تُجنّب سوء الفهم، وأن الصمت احترام. لكنه يكتشف، مع مرور الأيام، أن الصمت يُسجَّل عليه، لا له، وأن الوضوح يُقرأ كتهوّر، وأن حسن الظن، لا يُكافأ، بل يُستثمر ضده.
هناك، في المكاتب التي تشبه ليالي الشتاء الطويلة، تتكوّن المشاكل بهدوء. لا صراخ، لا مواجهة، فقط تراكم ظلال. تُقال الجمل بنصف معنى، وتُخفى النيات ،خلف ابتسامات مدروسة. وفي هذا المناخ، يصبح صاحب النية الصافية، كمن يسير تحت المطر بلا معطف، مؤمنًا أن البلل مؤقت، غير مدرك أن البرد، يتسلّل ببطء إلى العظام.
وحين نتشبّع بثقافة الوضوح، ونؤمن أن تسمية الأشياء، بأسمائها تطهّر العلاقات، ننسى أن بعض البيئات، تعيش على الغموض. الوضوح فيها ليس حلًّا، بل خلخلة. هو ضوء، يُسلَّط على زوايا اعتادت العتمة، فيُقابل بالريبة، لا بالامتنان. فالظلال، حين تُكشَف، لا تعترف، بل تتكاثر.
في جلسات الراحة، حيث يُفترض أن نخلع أقنعة النهار، نخطئ مرة أخرى. نتكلم بصدقٍ، ظانّين أن الكلام استراحة، فإذا به يُصبح وثيقة قابلة للتأويل. نحكي بنية التخفف، لا بنية الشكوى، لكن الكلمات، بعد أن تغادر أفواهنا، لا تعود إلينا. تسافر في غيابنا، تتبدّل نبرتها، وتعود إلينا غريبة، محمّلة بما لم نقصده.
الغياب هنا عنصر حاسم.
حين نغيب، تتقدّم الظلال لتملأ الفراغ. يُعاد ترتيب الحكايات، وتُختصر النيات، ويُعاد تأويل الصدق، كما يُعاد تفسير المطر: مرة نعمة، ومرة عاصفة. في الغياب، لا يُدافَع عن حسن النية، لأنه لا يملك صوتًا مرتفعًا، ولا حلفاء كُثر.
الليل، في هذا السياق، ليس زمنًا فقط، بل حالة ذهنية. ليل العلاقات الإنسانية، حين تختلط الحدود، وتذوب النوايا، وتُختبر الأخلاق في مناطق رمادية. في هذا الليل، لا يكفي أن تكون نقيًا، بل أن تكون واعيًا. فالنقاء وحده، لا يهزم الظل، بل يُغريه أحيانًا.
أما المطر، فهو الامتحان الأخير.
يمطر ليكشف الأرض كما هي: من كانت صلبة، ومن كانت هشة، ومن كانت تُخفي تشققاتها، تحت طبقة رقيقة من الطمأنينة. وحسن النية، تحت هذا المطر، يظهر عاريًا من الادعاء، بلا حسابات، بلا دروع. جميلًا… لكنه معرّضًا.
ومع ذلك، لا تنتهي هذه الورقة بدعوة إلى القسوة، ولا بنصيحة إلى التخلّي، عن حسن النية. بل بدعوة إلى تهذيبها. أن نحتفظ بها كقيمة داخلية، لا كعملة متداولة. أن نمنحها بوعي، لا بعفوية مفرطة. وأن نفهم أن الوضوح، ليس دائمًا فضيلة في كل مقام، وأن الصمت أحيانًا، شكل من أشكال الحكمة.
فليس كل طريقٍ، يحتمل الضوء،
ولا كل علاقةٍ قادرة، على حمل الصدق، دون أن تنكسر،
ولا كل ليلٍ يستحق، أن نُشعل فيه قلوبنا.
حسن النية يظل جميلًا…
لكن جماله الحقيقي، حين يعرف متى يظهر، ومتى يكتفي بالبقاء في الداخل، مثل دفءٍ خافتٍ، لا يراه أحد، لكنه يُنقذ صاحبه من بردٍ طويل.




