مجتمع

حين تبكي المحمدية: وداعًا أحمد فرس… ورفيق دربك أعسيلة

ضربة قلم

عبارة بسيطة، لكن خلفها خزان من الدمع والمواقف والذكريات التي لا يمكن نسيانها، خاصة حين يتعلق الأمر برجال لم يكونوا مجرد لاعبين فوق العشب الأخضر، بل كانوا رموزًا، وأسماءً محفورة في وجدان أمة كاملة.

قبل أقل من عام، فقدت مدينة المحمدية أحد أبنائها البررة، اللاعب الدولي السابق حسن أعسيلة، الذي بصم اسمه في صفحات الكرة الوطنية، وكان ممن ساروا على درب التميز في صمت الكبار. واليوم، تلتحق به روح أسطورية أخرى، أحمد فرس، الذي لا يكفي أن نصفه بأنه “صاحب الكرة الذهبية”، فالألقاب لا تحيط بحجم رجل أعطى الكثير لبلده، واحتفظ بتواضعه كأنه لم يأخذ شيئًا.

إنه الموت… هذا العابر الأبدي الذي لا يميّز بين أسطورة وهاوٍ، بين نجم تلألأ في سماء الكرة وأناس عاديين مروا بصمت. لكنه في حالات كتلك، لا يمر مرور الكرام. فحين يُغادرنا أحمد فرس، لا يغيب فقط إنسان، بل تُطوى صفحة من أنقى صفحات الرياضة المغربية، ويبهت لون من ألوان الفخر التي نعتز بها.

أحمد فرس لم يكن مجرد مهاجم يسجل الأهداف، بل كان رمزًا لجيلٍ منضبط، شريف، آمن بأن خدمة الوطن لا تحتاج للضجيج، بل للعطاء المتواصل. حمل قميص شباب المحمدية كما يحمل الجندي سلاحه، ودافع عنه كما لو كان قطعة من قلبه، حتى صار اسم المدينة مرتبطًا به كما يرتبط القمر بالليل.

والمحمدية، تلك المدينة التي أحبها أحمد فرس، وأحبته بالمقابل، صارت اليوم يتيمة. فقدت أعسيلة، ثم فرس، وكأن الحظ العاثر قرر أن يقطف وردتين من بستانها الرياضي في عام واحد.
من كان يظن أن المدينة التي كانت تنام على هتافات الجماهير ستصحو اليوم على بكاء القلوب؟

لكن هل يموت من صنع المجد؟
هل يموت من خطّ اسمه في تاريخ الرياضة الإفريقية؟
أحمد فرس سيبقى حيًا في أرشيف الصور، في ذاكرة الملاعب، في القلوب التي عاشت أفراحه وأهدافه، في أولاد المدينة الذين نشأوا وهم يحلمون بأن يكونوا مثله.

نعم، الموت يفرقنا جسديًا، لكنه لا يستطيع أن ينتزع منّا الحب والاعتزاز والامتنان. لن يستطيع أن يغيّب صوت المعلق الذي صاح باسم “أحمد فرس” يوم سجل الهدف، ولا دمعة الفرح التي سالت من أعين المغاربة يوم تُوّج بجائزة الكرة الذهبية.

سنبكيك اليوم، وسنذكرك غدًا، وسنروي للأجيال القادمة أنك لم تكن مجرد لاعب، بل كنت قامة وطنية، تستحق أن تُخلَّد تمثالًا في ملاعبنا، واسماً في شوارعنا، وصفحةً مضيئةً في كراسات أطفالنا.

رحمك الله، أحمد فرس، والتحق بك رفيق الدرب حسن أعسيلة في سكون الأبدية، حيث لا هتاف هناك ولا أهداف، بل فقط السكينة التي لا تشبه شيئًا من ضجيج الدنيا.

وداعًا يا نجم المحمدية…
وداعًا يا وجهًا ناصعًا من وجوه الكرة المغربية…
وداعًا يا من علمتنا أن المجد لا يُشترى، بل يُصنع، ثم يُعاش بتواضع الكبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.