
ضربة قلم
في مدينة خنيفرة، خرج حزب سياسي، ليطالب باستبعاد المنتخبين من التدشينات والأنشطة الرسمية، خلال هذه المرحلة التي تسبق الانتخابات التشريعية. وهي النقطة التي تطرح سؤالا يستحق النقاش.
فالمرحلة الحالية، ليست مرحلة عادية، بل هي موسم تكاثر الابتسامات، وانتعاش المصافحات، وازدهار العناق السياسي، وعودة وجوه، لم تكن تعرف طريق الأحياء الشعبية، إلا عبر خرائط “غوغل”. فجأة يصبح الجميع عاشقا للمواطن، ويكتشف أن له قلبا ينبض بحب الفقراء، وأنه مستعد لاحتضان الجميع… ما دامت صناديق الاقتراع لم تُفتح بعد.
والأدهى من ذلك، أن بعض المنتخبين، بل وحتى بعض الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالترشح أصلا، أصبحوا يتحركون في محيط المرشحين، وكأنهم موظفون موسميون في شركة للدعاية الانتخابية، لا ينقصهم سوى ارتداء قمصان موحدة، تحمل شعار: “نحن هنا لمن يدفع أكثر”. فمنهم من ينظم اللقاءات، ومنهم من يجمع الحشود، ومنهم من يلتقط الصور، ومنهم من يصفق في الوقت المناسب، وكأن تمثيل المواطنين، أصبح وظيفة تؤدى بالمقابل، لا تكليفا يخضع للمحاسبة.
لكن، إذا كان هذا المشهد يثير الاستغراب، فإن ما يجري في المحمدية، يبدو وكأنه ارتقى إلى مستوى آخر من الإبداع الانتخابي.
فمهرجانات الفروسية، التي يفترض أن تكون مناسبة للاحتفاء بالتراث المغربي الأصيل، تحولت – في نظر كثير من المتابعين – إلى منصات مفتوحة لاستعراض العضلات السياسية. هناك ترى الابتسامات العريضة، والمصافحات الطويلة، والقبلات التي لا تنتهي، حتى يخيل إليك أنك لا تتابع نشاطا تراثيا، بل تشاهد النسخة المغربية من فيلم إيطالي قديم، حيث لا ينقص المشهد سوى موسيقى رومانسية في الخلفية، ومخرج يصرخ: “إعادة… القبلة لم تكن مقنعة بما يكفي!”
الكل حاضر، والكل يبتسم، والكل يصور، والكل يريد أن يظهر في الإطار، لأن الصورة اليوم، قد تساوي آلاف المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تختصر حملة انتخابية كاملة.
والمثير أكثر، أن هذه المشاهد تتم أحيانا بحضور عامل عمالة المحمدية، وهو ما يفتح باب التساؤلات لدى الرأي العام حول ضرورة الحفاظ على المسافة نفسها من جميع الفاعلين السياسيين، حتى لا تُفهم الصور أو البروتوكولات على نحو قد يثير التأويلات، خاصة في فترة حساسة تسبق الاستحقاقات الانتخابية.
أما أكثر المشاهد إثارة للاستغراب، فهو ذلك البروتوكول الذي أصبح يتكرر في بعض المناسبات. يصل عامل عمالة المحمدية إلى مكان النشاط، لكنه لا يترجل من السيارة مباشرة، كما يفعل أغلب كبار مسؤولي الدولة، بل يبقى جالسا داخلها، في انتظار أن يتقدم أحد مرافقيه لفتح الباب له، وكأن فتح باب السيارة أصبح جزءا من طقوس الاستقبال الرسمية. للحظة، قد يعتقد المواطن أنه أمام وصول أحد الملوك أو رؤساء الدول، لا أمام مسؤول ترابي يقوم بزيارة ميدانية.
الغريب أن مثل هذه المظاهر لا نراها حتى عند عدد من الولاة أو الوزراء، الذين يترجلون من سياراتهم بشكل عادي، دون انتظار “طقس فتح الباب”. أما هنا، فقد أصبح الباب هو بطل المشهد، حتى ليخيل للمتابع أن السيارة، لن تفتح إلا بإشارة من مخرج سينمائي يصرخ: “أكشن… افتحوا الباب!” وكأن هموم المواطنين، ستُحل بمجرد أن تُفتح السيارة بطريقة استعراضية.
وهنا يتساءل المواطن البسيط: منذ متى أصبح فتح باب السيارة، منصبا إداريا؟ وهل أضيف إلى النظام الأساسي للوظيفة العمومية إطار جديد يسمى “مكلف رسمي بفتح الأبواب”؟ وهل أصبحت اليد التي تفتح الباب، أكثر أهمية من اليد التي توقع على الملفات العالقة للمواطنين؟
المفارقة أن هذا النوع من المظاهر لا يقوم به كثير من الولاة والوزراء، بل إن بعض كبار المسؤولين، ينزلون من سياراتهم بشكل عادي، دون حاجة إلى هذا الاستعراض البروتوكولي الذي لا يزيد المواطن إلا شعورا، بأن بعض المسؤولين يعيشون في عالم، بينما يعيش الناس في عالم آخر.
ولعل الجميع يتذكر الجدل الكبير الذي أثير عقب تداول مقاطع فيديو لمسؤولين ترابيين في ولايتي فاس ومراكش وهما يشرفان على طقوس ذبح أضحية العيد، في الوقت الذي كان فيه جلالة الملك محمد السادس قد دعا المواطنين إلى عدم ذبح الأضاحي، بسبب ظروف الجفاف وتراجع القطيع الوطني، وتولى بنفسه القيام بشعيرة الذبح نيابة عن الشعب المغربي.
كانت تلك الواقعة كافية لتفتح نقاشا واسعا حول أهمية انسجام تصرفات المسؤولين مع التوجيهات العليا، وحول ضرورة تجنب كل ما قد يُفهم على أنه رسائل متناقضة مع السياق العام.
ولهذا، فإن المرحلة الحالية، تستوجب قدرا أكبر من التحفظ، لا قدرا أكبر من الاستعراض.
فحين يصبح النشاط الرسمي أقرب إلى مهرجان انتخابي، وحين تتحول المناسبات العمومية إلى فضاءات لالتقاط الصور وتوزيع الابتسامات، وحين يشعر المواطن، بأن بعض المسؤولين، يختلط عليهم دور الدولة بدور الحملة الانتخابية، فإن أول المتضررين هو منسوب الثقة في المؤسسات.
ولهذا، يبدو من الحكمة – بل ومن مقتضيات تكافؤ الفرص – أن يتم إبعاد المرشحين، وكل من يتحرك في فلكهم، عن الأنشطة والتدشينات الرسمية خلال هذه المرحلة الحساسة، حتى تبقى الإدارة على المسافة نفسها من الجميع، وحتى لا تتحول مشاريع ممولة من المال العام، إلى خلفيات مجانية للصور الانتخابية.
فالانتخابات، ينبغي أن تُحسم بالبرامج، لا بعدد القبلات المتبادلة، ولا بطول المصافحات، ولا بعدد الصور الملتقطة بجانب الخيول الأصيلة، ولا بمن يفتح باب السيارة أولا.
أما المواطن المغربي، فقد أصبح خبيرا في قراءة المشاهد. يعرف جيدا متى يكون المسؤول في مهمة إدارية، ومتى يكون في جولة انتخابية غير معلنة. ولم يعد تنطلي عليه المسرحيات التي يتغير فيها الممثلون، بينما يبقى السيناريو نفسه منذ سنوات.
وقليل من الحياء المؤسساتي، وقليل من احترام مبدأ الحياد، قد يكونان اليوم أفضل خدمة، يمكن تقديمها للديمقراطية… إن كان هناك من لا يزال يؤمن بأن المنافسة الشريفة، ليست مجرد شعار يرفع في الخطب، ثم يُنسى عند أول مهرجان وأول كاميرا وأول قبلة سياسية.
تنبيه: الصورة تعبيرية، ولا صلة لها بأشخاص أو مسؤولين أو وقائع بمدينة المحمدية، وقد استُخدمت لأغراض توضيحية فقط.




