حين تتحول الترقية إلى مؤامرة… المتصرفون التربويون ينتفضون ضد عبث الوزارة وصمت النقابات

ضربة قلم
الشرارة اندلعت. والاحتقان بلغ مداه. المتصرفون التربويون المقصيون من الترقية يرفضون أن يُدفنوا في صمت، ويعلنونها صرخة جماعية ضد الحيف، ضد العبث، وضد العبثيين. بيان التنسيق الوطني لهؤلاء الضحايا لم يكن مجرد تظلم إداري بارد، بل كان إعلانًا صريحًا أن الكيل قد فاض، وأن وزارة التربية الوطنية قد تجاوزت الخطوط الحمراء، وداست على ما تبقى من ثقة في المؤسسات.
ففي وقت ينتظر فيه رجال ونساء التربية تفعيل مبدأ الاستحقاق، واحترام المساطر القانونية، خرجت الوزارة بجواب رسمي موجه إلى أحد المستشارين البرلمانيين، يعترف – دون خجل- بوقوع كارثة إدارية بكل المقاييس. الوزارة لم تنكر، بل أكدت بلسانها أنها سمحت للجنة الإدارية المتساوية الأعضاء أن تنصب نفسها مشرّعًا وقاضيًا وجلادًا، فقررت تقسيم المناصب إلى فئتين وفق معيار غير منصوص عليه في أي قانون. هذه ليست هفوة إدارية، بل خرق فج للدستور، ودهس صريح لمبدأي الإنصاف والمساواة، وتحوير خطير لوظيفة استشارية إلى قرار تنفيذي يهوي بمسار الترقية إلى مستنقع الزبونية والتمييز.
ما وقع ليس سوء فهم، بل جريمة مؤسساتية مكتملة الأركان. المراسيم المنظمة واضحة، المذكرات الوزارية التي أُصدرت على امتداد ثلاث سنوات لا تتحدث عن “فئتين”، والوزارة نفسها لم تجرؤ على إصدار أي نص رسمي يشرّع هذا العبث. ومع ذلك، تم إقصاء المئات من المتصرفين التربويين المستحقين للترقية، فقط لأن اللجنة “ارتأت” ما لا يرتئيه القانون.
وإذا كانت الفضيحة قد خرجت إلى العلن، فإن ما يزيدها قبحًا هو صمت النقابات التعليمية، التي تم ذكرها صراحة في الجواب الوزاري، دون أن ترف لها عين. أين صوتكم حين يُذبح الاستحقاق؟ أين مواقفكم حين تُخرق القوانين بدم بارد؟ بل كيف تقبلون أن تكونوا شهود زور على اغتيال الإنصاف داخل مؤسسة اسمها التربية الوطنية؟
التنسيق الوطني لهؤلاء المتصرفين لا يتوسل، ولا يطلب صدقة. بل يضع الوزارة أمام مسؤولياتها الدستورية، ويطالب بتصحيح الجريمة عبر ترقية استثنائية مستعجلة، تعتمد أدنى عتبة ترقية خلال سنوات 2021، 2022، و2023، وبأثر مالي وإداري رجعي، تعويضًا عن الإقصاء المتعمد والتمييز المفضوح. كما يطالب بإرجاع المبالغ المقتطعة من أجور المتضررين دون سند قانوني، وتنفيذ الأحكام القضائية التي انتصرت للحق في وجه تعنّت الوزارة.
أكثر من ذلك، التنسيق يضع اليد على جرح آخر لم يندمل: سرقة أقدمية المتصرفين التربويين الذين كانوا يزاولون بالأسناد، والتي يجب احتسابها بثلاث سنوات اعتبارية كاملة، كحق لا هبة، كعدل لا منّة.
ما جرى ليس ملفًا تقنيًا. إنه دليل آخر على أن منظومة الترقية أصبحت رهينة “الارتاءات” المشبوهة، وأن الكفاءة وحدها لم تعد تفتح الأبواب، بل قد تُغلقها إذا لم تكن مرفوقة بـ”الرضا”.
لهذا، دعا التنسيق الوطني كافة المتضررات والمتضررين إلى الاستعداد لمعركة نضالية جديدة، خلال شتنبر المقبل، تزامنًا مع الدخول المدرسي، معلنًا أن زمن الصمت قد انتهى، وأن لغة البيانات الناعمة لم تعد تنفع مع من يحتقر القوانين ويخرقها بعلم وموافقة.
الوزارة أخطأت، وتصر على الخطأ. والنقابات صامتة، وبعضها متواطئ. والعدالة الإدارية لا تسقط بالتقادم. هذا زمن المواجهة، لا التفاوض العقيم. هذا زمن المطالبة بالحق، لا استعطاف الجلاد.
فليُسمع الصوت عاليًا: لن نُقصى بعد اليوم، ولن نسكت بعد الآن. الترقية حق، والإنصاف التزام، والاستمرار في هذا العبث يعني حربًا مفتوحة… والكرامة لا تُجزَّأ.




