الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تتحول التنمية إلى سؤال مؤلم: من يجني ثمار الأرض ومن يدفع الثمن؟

ضربة قلم

في كل مرة تُهدم فيها البراريك أو تُزال الأحياء القديمة، يخرج الخطاب الرسمي، ليتحدث عن التنمية والتأهيل الحضري ومحاربة السكن غير اللائق، وإعداد المدن للمستقبل. وهي أهداف لا يختلف حولها اثنان، لأن الجميع يريد مدناً منظمة وشوارع حديثة ومرافق تليق بالمواطن. لكن خلف هذه الشعارات، يظل سؤال كبير يفرض نفسه بإلحاح: من المستفيد الحقيقي من كل ما يجري؟

لقد اعتاد المواطن البسيط أن يسمع أن الأرض، ستُنزع من أجل المنفعة العامة، وأن المصلحة العليا تقتضي التضحية، وأن المستقبل يتطلب اتخاذ قرارات صعبة. غير أن ما يثير الاستغراب، هو أن كثيراً من الأراضي التي غادرها أصحابها أو سكانها تحت ضغط الضرورة، تحولت بعد سنوات قليلة إلى مشاريع عقارية وتجارية واستثمارية، تدر أرباحاً ضخمة. وهنا يبدأ الشك المشروع، لأن المواطن الذي قيل له، إن الأرض مطلوبة لخدمة الجميع، يكتشف لاحقاً، أن هناك جهات محددة هي التي تجني الجزء الأكبر من المكاسب.

ولم يعد الأمر يقتصر على البراريك، كما كان الحال في الماضي. فقد امتدت العمليات في عدد من المناطق، إلى أحياء قائمة منذ عقود، تضم منازل ومحلات تجارية وذكريات أجيال كاملة. أحياء نشأ فيها الأطفال، وكبر فيها الآباء، وارتبطت بها حياة الناس اليومية، قبل أن تجد نفسها فجأة، في مواجهة الجرافات وقرارات، لا تترك مجالاً كبيراً للاختيار.

وفي مثل هذه اللحظات، يشعر المواطن بأنه وحيد في مواجهة آلة ضخمة، لا يستطيع الوقوف أمامها. فهو لا يعرف إلى من يلجأ، ولا من يستطيع أن ينصفه، خصوصاً عندما تكون الجهات التي تملك القرار والتنفيذ، هي نفسها صاحبة السلطة والنفوذ. فيتحول الإحساس بالانتماء إلى شعور بالقلق، ويتحول الحديث عن التنمية، إلى مصدر خوف لدى فئات واسعة من السكان.

المشكلة ليست في تحديث المدن، فالمغاربة لا يعارضون التقدم ولا يرفضون المشاريع الكبرى. لكن التنمية التي يشعر معها المواطن، بأنه مجرد رقم أو عقبة ينبغي إزالتها، تفقد جزءاً كبيراً من معناها الإنساني. فالقيمة الحقيقية لأي مشروع، لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات التي يجذبها، بل أيضاً بمدى احترامه لحقوق الناس، وكرامتهم، وشعورهم بالإنصاف.

والأخطر من فقدان المنزل هو فقدان الثقة. فعندما يرى المواطن أن الأرض التي كانت بالأمس موطناً للفقراء، أصبحت اليوم مجالاً لمشاريع تساوي الملايير، وأن القيمة العقارية، ترتفع بشكل هائل بعد رحيل أصحابها، فإنه يتساءل تلقائياً عن نصيبه من هذه الثروة وعن العدالة في توزيع مكاسبها.

لقد أصبح كثيرون، يعتقدون أن الفقير هو دائماً الحلقة الأضعف في المعادلة. فهو الذي يغادر أولاً، وهو الذي يتحمل أعباء الانتقال والبحث عن بديل، وهو الذي يواجه الغلاء وتكاليف الحياة الجديدة، بينما تظهر لاحقاً أطراف أخرى قادرة على استثمار العقار، وتحقيق الأرباح، والاستفادة من ارتفاع الأسعار.

إن التنمية الحقيقية، ليست مجرد إسمنت وحديد وطرق واسعة وأبراج مرتفعة. التنمية الحقيقية هي التي تجعل المواطن يشعر بأنه شريك في المستقبل، لا ضحية له. وهي التي تقنع الناس بأن التضحيات موزعة بعدالة، وأن المكاسب لا تذهب دائماً إلى الجهة نفسها، وأن الوطن يتسع للجميع، لا لفئة واحدة فقط.

ولهذا فإن النقاش اليوم، لم يعد يتعلق بالبراريك أو بالأحياء المهدمة في حد ذاتها، بل يتعلق بسؤال أكبر وأعمق: كيف يمكن تحقيق التنمية مع الحفاظ على العدالة؟ وكيف يمكن إقناع المواطن، بأن ما يجري يتم لصالحه أيضاً، لا على حسابه؟ فالأوطان لا تُبنى فقط فوق الأرض، بل تُبنى كذلك فوق الثقة. وإذا اهتزت هذه الثقة، فإن أكبر المشاريع وأضخم الاستثمارات، لن تكون كافية لتعويض ما ضاع منها.

ولعل من أكثر الأمثلة التي يستحضرها كثير من المواطنين عند الحديث عن هذا الموضوع، ما وقع ويقع بزناتة، بتراب جماعة عين حرودة التابعة لعمالة المحمدية، حين جرى نزع ملكية أراضٍ تابعة للجماعة وأخرى في ملك الخواص، تحت عنوان المنفعة العامة، وخدمة مشاريع يفترض أن تعود بالنفع على الجميع. يومها اعتقد الناس، أن الأمر يتعلق بمشاريع عمومية خالصة، وأن التضحيات المطلوبة منهم ستصب في مصلحة المجتمع ككل. غير أن المفاجأة كانت، في نظر عدد من المتابعين، عندما آلت تلك الأراضي إلى جهات مالية أخرى، أصبحت تتصرف فيها بمنطق الاستثمار والعرض والطلب، وتحولت مساحات، كانت بالأمس موضوع نزع للملكية إلى عقارات تدر أرباحاً كبيرة، وتفتح أبواب الاستفادة أمام من يملكون القدرة المالية الأكبر. وهنا يبرز السؤال الذي لا يزال يطرحه الكثيرون بإلحاح: إذا كانت الأرض قد انتُزعت باسم المنفعة العامة، فكيف انتهى بها المطاف، لتصبح مجالاً للتفويت والاستثمار وتحقيق الأرباح؟ وهل يعقل أن يطلب من المواطن التضحية بملكه من أجل المصلحة العامة، ثم يكتشف لاحقاً أن القيمة الحقيقية، لتلك الأرض أصبحت في متناول جهات أخرى غيره؟ إنها أسئلة مشروعة تزداد حدتها، كلما اتسعت الفجوة بين ما يعلن من أهداف وبين ما يراه المواطن على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.