حين تتحول الجمعيات إلى أسماء، والنقابات إلى أصوات مستهلكة

ضربة قلم
في الدول التي نجحت في ترسيخ ثقافة المواطنة الفاعلة، لا يُنظر إلى العمل الجمعوي أو النقابي بوصفه واجهة شكلية أو بطاقة تعريف اجتماعية، بل باعتباره ممارسة يومية تقوم على تقاسم الأدوار، وتداول المسؤوليات، وربط الحقوق بالواجبات. هناك، لا يمكن لجمعية أن تعيش على أكتاف شخصين، ولا لنقابة أن تُختزل في اسم واحد، لأن المنظومة بأكملها مبنية على فكرة بسيطة، لكنها حاسمة: الجميع يشتغل، والجميع يُحاسَب.
في المقابل، حين نتوقف عند واقع العمل الجمعوي والنقابي في المغرب، نصطدم بمفارقة مزمنة، تكاد تتحول إلى قاعدة غير مكتوبة. جمعيات تضم عشرات، بل مئات الأعضاء، لكنها في الواقع تُدار فعليًا من طرف شخصين أو ثلاثة على الأكثر. هم من يكتبون البرامج، ويصوغون البيانات، ويدبرون العلاقات العامة، ويحضرون الاجتماعات، ويتنقلون بين الإدارات، ويظهرون في الندوات، ويختفون حين تُستنزف طاقتهم، دون أن يجدوا من يخلفهم.
أما البقية، فغالبًا ما يكتفون بعضوية “صورية”، تُفعَّل فقط عند الحاجة إلى العدد، أو لملء القاعة في نشاط ما، أو لالتقاط صورة جماعية تُستعمل لاحقًا في التقارير. حضور موسمي، بلا مبادرة، وبلا اقتراح، وبلا استعداد لتحمل أعباء العمل اليومي، الذي يُنهك القلة ويُريح الكثرة.
هذه الظاهرة لا تتعلق بضعف الكفاءات، فالمغرب زاخر بطاقات بشرية هائلة، ولا بنقص الوعي فقط، بل بثقافة ترسخت عبر سنوات، مفادها أن العمل الجمعوي يُفوَّض، ولا يُتَشارَك. هناك من يعتقد أن الانخراط يعني فقط دفع واجب الانخراط السنوي، أو وضع الاسم في اللائحة، ثم الانسحاب إلى منطقة الراحة، تاركًا “المناضلين الدائمين” يحترقون وحدهم.
الأمر نفسه، وربما بشكل أكثر حدّة، نجده في العمل النقابي. نقابات يُفترض أنها تمثل آلاف المنخرطين، لكنك حين تتتبع بياناتها، وبلاغاتها، واحتجاجاتها، تكتشف أن شخصًا واحدًا، أو اثنين، هم من يحررون البيانات، ويقررون الاضرابات، ويصعدون، ويهددون، ويتفاوضون. تتغير الوجوه في الصفوف الخلفية، لكن الرأس يبقى نفسه، والصوت هو الصوت، والخطاب هو الخطاب.
وهنا تبرز مفارقة أخرى: حين تنجح خطوة احتجاجية، يُنسب النجاح للجميع، وحين تفشل، يُلقى اللوم على نفس الوجوه، التي حملت العبء منذ البداية. لا محاسبة داخلية حقيقية، ولا نقاش ديمقراطي موسع، ولا تداول فعلي على المسؤوليات، بل نوع من الاعتماد المرضي على “الفاعل الواحد”، إلى أن ينهك، أو يصطدم بالجدار، أو ينسحب في صمت.
هذا الوضع لا يضر فقط بالأشخاص الذين يتحملون العبء، بل يفرغ العمل الجمعوي والنقابي من جوهره. فالجمعية التي لا تضخ وجوها يافعة وجديدة في مكاتبها، والنقابة التي لا تُشرك قواعدها في القرار، تتحولان إلى هياكل هشة، قابلة للانهيار عند أول أزمة، أو للاختراق عند أول ضغط.
الأخطر من ذلك، أن هذا النمط يعمّق أزمة الثقة لدى المواطنين، خصوصًا الشباب، الذين يرون في العمل الجمعوي والنقابي فضاءً مغلقًا، تهيمن عليه نفس الأسماء، ونفس الخطابات، ونفس الصراعات الصغيرة. فينسحبون، أو يعزفون عن الانخراط من الأساس، فتستمر الحلقة المفرغة: قلة تشتغل، وأكثرية تراقب، ثم تشتكي.
في الدول التي تحترم نفسها، لا يُترك العمل التطوعي والنقابي للاجتهاد الفردي، بل يُبنى على التكوين، والتأطير، وتوزيع المهام، والتناوب، والمحاسبة. هناك يُسأل العضو: ماذا قدمت؟ لا فقط: إلى أي جمعية تنتمي؟ ويُسأل النقابي: ما دورك؟ لا فقط: لأي نقابة تنتمي؟
أما عندنا، فما زلنا نخلط بين الانتماء والمشاركة، وبين الحضور والمساهمة، وبين رفع الشعار وتحمل الكلفة. والنتيجة عمل جمعوي مُنهك، وعمل نقابي مُستنزَف، وفاعلون قلائل يدورون في حلقة مفرغة، بينما “الجيش العرمرم” من الأعضاء يظل في موقع المتفرج.
الخروج من هذا الوضع لا يمر عبر لوم الأشخاص فقط، بل عبر مراجعة ثقافة كاملة: ثقافة تعتبر العمل الجمعوي والنقابي شرفًا بلا التزام، وامتيازًا بلا مسؤولية. ما لم ننتقل من منطق “دير الخدمة وخلي” إلى منطق “تقاسم الخدمة والمحاسبة”، سيبقى المشهد على حاله، وسنظل نطرح نفس الأسئلة، ونشتكي من نفس الأعطاب، جيلاً بعد جيل.




