
ضربة قلم
ليس من التهويل ولا من الشعبوية، القول إن جزءًا عميقًا من أعطاب التسيير العمومي في المغرب، لا يرتبط بندرة الكفاءات، ولا بضعف الأطر، ولا حتى بقلة الإمكانيات، بل يرتبط بمنطق أخطر وأكثر رسوخًا: منطق توريث السلطة داخل الدولة.
منطق يجعل من بعض المؤسسات العمومية، والهيئات المنتخبة، وحتى التنظيمات السياسية، فضاءات مغلقة تدور داخل فلك أسماء عائلية بعينها، تتعاقب على المناصب، كما يتعاقب الإرث، لا كما يقتضي منطق التداول والكفاءة.
أسماء لا تغادر المشهد… فقط تغيّر المواقع
تتبدل الحكومات، تتغير الشعارات، تتجدد الخطابات حول الإصلاح والنموذج التنموي، لكن أسماء عائلية محددة، تظل حاضرة بقوة:
اسم يغادر وزارة ليعود في مؤسسة استراتيجية،
وآخر ينتقل من مجلس إداري، إلى مهمة دبلوماسية،
وثالث يُعاد تدويره في منصب سامٍ باسم “الخبرة” أو “الاستمرارية”.
المشكل ليس في شخص بعينه، بل في تحول الدولة إلى دائرة مغلقة للأسماء، حيث يصبح اللقب العائلي، جواز مرور غير معلن، أقوى من أي مسار مهني أو تقييم موضوعي.
من الاستحقاق إلى القرابة: كيف يُفرَّغ المنصب من معناه
في الدول التي تحترم قواعد الحكامة، يكون الوصول إلى المناصب العليا، نتيجة مسار واضح: دراسة، تجربة، إنجازات، تقييم.
أما في واقعنا، فكثيرًا ما يُختصر كل ذلك في:
-
صلة قربى
-
ولاء سابق
-
خدمة متبادلة
-
أو مكالمة في توقيت مناسب
لا أحد ينكر وجود كفاءات حقيقية،، داخل بعض هذه العائلات، لكن الإشكال بنيوي لا فردي:
لماذا تتكرر الفرص داخل نفس الدوائر؟
لماذا تُقصى كفاءات صاعدة فقط لأنها بلا “اسم ثقيل”؟
ولماذا يتحول المنصب العمومي، من تكليف إلى امتياز موروث؟
الدبلوماسية المغربية… حين يُختزل تمثيل الوطن في أسماء
الأكثر خطورة أن هذا المنطق لم يستثنِ الآلة الدبلوماسية، التي يفترض أن تكون واجهة الدولة في الخارج، وخط دفاعها الأول عن مصالحها الاستراتيجية.
ومع ذلك، نجد أحيانًا أن بعض التمثيليات الخارجية، تُدار بعقلية الانتداب العائلي أو مكافأة نهاية المسار، لا بمنطق الكفاءة الدقيقة المطلوبة في ملفات معقدة وحساسة.
السؤال هنا جوهري:
هل تمثيل المغرب في الخارج امتياز شخصي؟
أم مسؤولية وطنية، تتطلب أفضل ما في الدولة، لا أكثر الأسماء قربًا من دوائر القرار؟
البرلمان… حين يتحول التمثيل الشعبي إلى إرث
إذا كانت الإدارة تعاني من التوريث، فإن البرلمان أصبح في حالات كثيرة تجليًا صارخًا له.
مقعد يغادره الأب فيرثه الابن،
أو الأخ،
أو الزوجة،
أو قريب يحمل نفس اللقب ويستفيد من نفس الشبكة.
هكذا تتحول بعض الدوائر الانتخابية، إلى ما يشبه الملكيات الصغيرة، حيث يُستبدل مفهوم التمثيل الشعبي، بمنطق “المقعد العائلي”، وتُفرغ الانتخابات من بعدها الديمقراطي الحقيقي.
والأخطر أن هذا لا يتم فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر:
-
تحكم الأعيان المحليين
-
شبكات الزبونية
-
استثمار الفقر والهشاشة
-
الخلط بين العمل الخيري والولاء السياسي
فيصبح البرلمان فضاءً، لإعادة إنتاج النفوذ، لا لمراقبة السلطة أو التشريع الجاد.
الأحزاب السياسية… من فضاء نضالي إلى شركة عائلية
أما الأحزاب السياسية، التي يُفترض أن تكون مشتلاً للديمقراطية، فقد تحولت في حالات عديدة، إلى هياكل مغلقة، تُدار بمنطق الزعامة الأبدية أو الخلافة المرتبة سلفًا.
زعيم لا يُنافس، لا يُحاسب، ولا يُغادر إلا مكرهًا.
وحين يُطرح سؤال التداول، يُرفع غطاء “وحدة الحزب”، أو “الظرف السياسي”، أو “غياب البديل”، بينما الحقيقة أن الحزب أضحى ملكية خاصة، يُهيأ فيها القريب أو الوفيّ لوراثة القيادة.
وحين تغيب الديمقراطية داخل الحزب، يصبح الحديث عن الديمقراطية في الدولة مجرد خطاب للاستهلاك.
أحزاب بلا ديمقراطية… وبرلمان بلا روح
حين تكون الأحزاب مغلقة، فإن ما تنتجه في الانتخابات، يكون ضعيفًا ومحدودًا سلفًا.
نفس الوجوه،
نفس الألقاب،
نفس الخطاب الخشبي،
ونفس الغياب شبه التام للمبادرة التشريعية والرقابة الجريئة.
النتيجة:
-
برلمان باهت
-
تشريع بلا نفس
-
رقابة خجولة
-
ومواطن فقد الثقة في جدوى المشاركة السياسية
الفقرات الساخنة: حين يصبح الوطن رهينة الأسماء
الخطير في كل هذا ليس فقط احتكار المناصب، بل احتكار القرار.
حين تتكرر الأسماء، تتكرر الأخطاء.
وحين يغيب التداول، يتحول الفشل إلى “خبرة”، والجمود إلى “حكمة”.
نحن لا نعيش فقط أزمة كفاءات، بل أزمة عدالة في توزيع الفرص.
دولة يُقاس فيها الصعود باللقب، لا بالإنجاز، محكوم عليها بأن تدور في نفس الحلقة، مهما تغيرت العناوين.
الأخطر أن هذا المنطق، يقتل الأمل لدى جيل كامل، جيل يرى أن الاجتهاد لا يكفي، وأن الكفاءة لا تفتح الأبواب، وأن الطريق الأقصر هو القرب لا الاستحقاق.
خاتمة بلا رتوش
المغرب اليوم أمام مفترق طرق واضح:
إما دولة مؤسسات تُدار بالقواعد،
أو دولة أسماء تُدار بالأنساب.
كسر هذه الحلقة لا يحتاج خطابات كبرى، بل:
-
ديمقراطية داخلية حقيقية في الأحزاب
-
ربط الدعم العمومي بالشفافية والتداول
-
فتح المناصب العليا على أساس الكفاءة لا اللقب
-
وإرادة سياسية تقطع مع “الأسماء الخالدة”
لأن الوطن لا يُبنى بالإرث…
بل بالعدالة، والجرأة، وتكافؤ الفرص.




