الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعاقتصاد

حين تتحول الرشوة إلى رخصة بناء… قصة الهنكارات التي فضحت فوضى التعمير بالمحمدية

ضربة قلم

تشهد عدد من الجماعات الترابية التابعة لعمالة المحمدية، وعلى رأسها بني يخلف، الشلالات، عين حرودة وسيدي موسى المجدوب، وضعًا عمرانيًا معقدًا تشكّل عبر سنوات طويلة، من التراخي الإداري وتغوّل شبكات السمسرة والرشوة، التي وجدت في مجال المستودعات العشوائية – أو ما يُعرف محليًا بـ“الهنكارات” – بابًا مفتوحًا، لتحقيق أرباح ضخمة خارج القانون. وقد تحولت هذه الظاهرة مع مرور الوقت، إلى ما يشبه “اقتصادًا موازيًا” يقوم على تشييد مستودعات ومخازن صناعية، دون تراخيص قانونية، غالبًا على أراضٍ فلاحية أو غير مهيأة للبناء، مقابل مبالغ مالية تُدفع في الخفاء لوسطاء وسماسرة، وأحيانًا بتواطؤ أو غض طرف من بعض رجال السلطة أو المنتخبين المحليين.

إرث ثقيل من الفوضى العمرانية

الواقع أن هذه المناطق، لم تصل إلى ما هي عليه اليوم بين ليلة وضحاها، بل إن الأمر نتاج سنوات من التراكمات، التي جعلت من بعض الدواوير والضواحي القريبة من الدار البيضاء، فضاءات مفتوحة للبناء غير القانوني. فالقرب الجغرافي من العاصمة الاقتصادية، وارتفاع أسعار العقار داخل المدار الحضري، دفعا العديد من المستثمرين الصغار وأصحاب الأنشطة الصناعية، غير المهيكلة إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة. وهنا ظهرت “الهنكارات” كحل سريع ورخيص، إذ تُشيّد بسرعة كبيرة، وبمواد بسيطة، وغالبًا ما تُخصص للتخزين أو للصناعات الصغيرة.

لكن هذا الانتشار، لم يكن ليحدث بهذا الحجم لولا وجود شبكة من الوسطاء الذين يتكلفون بتسهيل العملية، مقابل مبالغ مالية. ومع مرور الوقت، أصبح بناء “الهنكار” عملية شبه منظمة: الأرض تُختار، والوسيط يتكفل بالتنسيق، ثم تبدأ الأشغال في الليل أو في أوقات، يقل فيها حضور المراقبة، وبعد ذلك، يصبح المستودع أمرًا واقعًا يصعب هدمه، دون إثارة مشاكل اجتماعية أو اقتصادية.

شعار غير معلن: “إذا النقود زُوِّدَتْ”

في كواليس هذه الظاهرة، يردد كثير من السكان والمطلعين على خبايا الملف، عبارة ساخرة، لكنها تعكس واقعًا مريرًا:
“إذا النقود زُوِّدَتْ، فالقانون يسكت.”

فقد تحوّلت بعض المناطق، إلى ما يشبه السوق المفتوحة لبناء المستودعات، حيث يتم التفاوض حول المبالغ التي تُدفع مقابل التغاضي عن الأشغال أو تسهيل مرورها، دون تدخل. وتتراوح هذه المبالغ، حسب ما يتداول بين السكان، بين عشرات الملايين من السنتيمات، وقد ظهر في الآونة الأخير،ة فيديو لمواطن يؤكد فيه أن أحد “الهنكارات” شُيّد مقابل رشوة، بلغت نحو 40 مليون سنتيم، وهو رقم صادم، يعكس حجم الأموال التي قد تدور في هذا المجال.

عامل سابق وبداية قصة الهدم

ومن المفارقات التي يتداولها المتابعون، لهذا الملف أن عاملًا سابقًا على عمالة المحمدية، بدأ ولايته بحملة قوية، لهدم عدد من “الهنكارات” غير القانونية، في خطوة لقيت في البداية ترحيبًا واسعًا من السكان والرأي العام. غير أن هذه الحملة، لم تدم طويلًا بالشكل الذي كان يُنتظر، إذ سرعان ما عادت الظاهرة للظهور من جديد، بل إن بعض المستودعات التي هُدمت أعيد بناؤها لاحقًا في ظروف غامضة، وكأن شيئًا لم يحدث.

وهنا يطرح كثيرون سؤالًا جوهريًا:
كيف يمكن لمستودع أن يُهدم اليوم، ثم يُعاد تشييده بعد أشهر قليلة؟
وهل الأمر مجرد ضعف في المراقبة، أم أن هناك شبكة مصالح، أقوى من قرارات الهدم نفسها؟

عمليات هدم جديدة… لكن بأسئلة كثيرة

في الفترة الأخيرة، عادت السلطات المحلية إلى شن عمليات هدم، استهدفت عددًا من المستودعات العشوائية، في جماعات سيدي موسى المجدوب وبني يخلف والشلالات، وذلك في إطار تدخلات تروم تحرير الملك العمومي، وفرض احترام قوانين التعمير. وقد جرت هذه العمليات، بتنسيق بين السلطات المحلية ومصالح الجماعات الترابية والقوات العمومية، حيث تم هدم عدد من البنايات، التي شُيّدت دون تراخيص.

وتندرج هذه التدخلات ضمن حملات تهدف، نظريًا، إلى وضع حد للبناء غير المرخص، وما يرافقه من اختلالات عمرانية خطيرة، إذ إن كثيرًا من هذه المستودعات يفتقر إلى شروط السلامة والبيئة، وقد يشكل خطرًا على الساكنة المجاورة، بسبب تخزين مواد قابلة للاشتعال أو تشغيل أنشطة صناعية، في مناطق غير مهيأة لذلك.

كما أن انتشار هذه المستودعات يخلق نوعًا من الفوضى العمرانية، حيث تتحول الأراضي الفلاحية أو المناطق القروية إلى تجمعات صناعية عشوائية تفتقر إلى الطرق المعبدة وشبكات الصرف الصحي والماء والكهرباء المنظمة.

استثناءات تثير الجدل

غير أن هذه العمليات، لم تمر دون إثارة تساؤلات، خصوصًا بعدما لاحظ عدد من المتابعين أن بعض المناطق التابعة لعين حرودة، والتي تعج هي الأخرى بالمستودعات العشوائية، لم تشملها عمليات الهدم بالشكل نفسه. وهو ما فتح الباب أمام تأويلات عديدة، بين من يرى أن الأمر، يتعلق بترتيبات إدارية أو تقنية، وبين من يعتقد أن بعض المناطق، تتمتع بحماية غير معلنة.

وفي مثل هذه الملفات الحساسة، يصبح أي استثناء – ولو كان مبررًا إداريًا – مصدرًا للشكوك، لأن الرأي العام أصبح شديد الحساسية، تجاه كل ما يتعلق بالفساد أو استغلال النفوذ.

الهدم وحده لا يكفي

المشكلة الحقيقية التي يطرحها كثير من المتابعين هي أن الاكتفاء بالهدم دون فتح تحقيقات حقيقية قد لا يكون كافيًا لمعالجة جذور الظاهرة. فالمستودعات العشوائية، لم تنشأ من فراغ، بل شُيّدت في ظل منظومة من السماسرة والوسطاء الذين يستفيدون من هذه الفوضى.

وفي غياب تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، قد تتحول عمليات الهدم نفسها،إلى مجرد حلقة في مسلسل متكرر:
يبني المستثمر مستودعًا…
تتدخل السلطات وتهدمه…
ثم يُعاد البناء بعد فترة…
لتبدأ القصة من جديد.

وهذا السيناريو يعيد إنتاج الفوضى، بدل القضاء عليها، ويُبقي المجال مفتوحًا، أمام السماسرة الذين يواصلون استغلال حاجة المستثمرين الصغار إلى فضاءات للعمل.

اقتصاد الظل في ضواحي الدار البيضاء

لا يمكن فصل ظاهرة “الهنكارات” عن واقع الاقتصاد غير المهيكل، الذي ينتشر في ضواحي المدن الكبرى. فكثير من الأنشطة الصناعية الصغيرة – من النجارة والحدادة، إلى ورشات خياطة الملابس بمختلف أنواعها، بما فيها خياطة الألبسة الداخلية، وصولًا إلى مستودعات تخزين السلع والبضائع – تبحث عن أماكن رخيصة، وبعيدة عن القيود الإدارية المعقدة. وفي غياب مناطق صناعية مهيأة بأسعار مناسبة، يجد البعض أنفسهم، مضطرين للجوء إلى حلول غير قانونية.

لكن المشكلة أن هذا الحل يتحول مع الوقت إلى خطر مزدوج:

  • خطر عمراني بسبب البناء العشوائي.

  • وخطر اقتصادي بسبب غياب المراقبة الضريبية والبيئية.

توقف الهدم إلى ما بعد رمضان

وفق المعطيات المتداولة محليًا، فإن عمليات الهدم التي شهدتها بعض المناطق توقفت مؤقتًا إلى ما بعد شهر رمضان، وهو أمر اعتادت السلطات القيام به، في عدد من الملفات الحساسة، لتفادي التوترات الاجتماعية خلال هذا الشهر.

غير أن هذا التوقف المؤقت يطرح بدوره تساؤلات حول المرحلة المقبلة:
هل ستستأنف الحملات بقوة أكبر؟
أم أن الملف سيهدأ تدريجيًا، كما حدث في مرات سابقة؟

الرهان الحقيقي: المحاسبة

يبقى الأمل معلقًا على أن تتحول هذه العمليات إلى بداية لمعالجة حقيقية للملف، لا مجرد حملة ظرفية. فالمواطنون ينتظرون أن تشمل التحقيقات كل من يثبت تورطه في تسهيل البناء غير القانوني، سواء كان سمسارًا أو منتخبًا أو مسؤولًا إداريًا.

كما ينتظر كثيرون، أن لا تُستثنى أي منطقة من المراقبة، بما في ذلك تلك التي تحولت فعليًا إلى مناطق صناعية عشوائية خارج كل الضوابط القانونية.

وفي نهاية المطاف، فإن محاربة الفوضى العمرانية، لا تتوقف عند الجرافات التي تهدم الجدران، بل تبدأ أساسًا من هدم شبكة المصالح التي سمحت بتشييدها. فحين تصبح المحاسبة حقيقية وشفافة، سيتوقف شعار “إذا النقود زودت” عن كونه قاعدة غير مكتوبة، ويعود القانون، ليكون المرجع الوحيد لتنظيم المجال العمراني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.