حين تتحول السياسة إلى فيلم.. ويصرّ بعض الأبطال على لعب دور الشرير

ضربة قلم
بكثرة ما نتتبع الأفلام السينمائية، وبكثرة ما نشاهد أبطالها وهم يتقمصون أدواراً خبيثة وقذرة، حتى أصبحنا نميز «الشرير» من أول لقطة، قبل أن ينطق بكلمة واحدة.
ذلك الوجه الذي يدخل من الباب، فتقول في نفسك: آه… هذا هو الذي سيقلب أحداث الفيلم رأساً على عقب!
نفس الابتسامة الباردة، نفس النظرات المحسوبة، نفس الكلام المعسول، ونفس القدرة العجيبة على ارتداء قناع البراءة، بينما المشاهد، يعرف منذ البداية أن وراء القناع شيئاً آخر.
والمثير للسخرية أن بعض الوجوه السياسية عندنا، أصبحت تمنحنا الإحساس نفسه.
فقط ينقصها المخرج، والموسيقى التصويرية، وعبارة «أكشن!».
ففي عالم السياسة، هناك من اكتشف أن أسهل طريق إلى قلوب الناس، ليس بالضرورة أن يخدمهم، وإنما أن يلعب على عواطفهم.
مرة يظهر في صورة المنقذ، ومرة في صورة المظلوم، ومرة في صورة الرجل الذي يحمل هموم المواطنين على كتفيه، ومرة أخرى في صورة السياسي، الذي لم ينم الليل، لأنه يفكر في مستقبل البلاد والعباد.
يا سلام!
حتى إنك تكاد تتساءل:
هل نحن أمام مسؤول سياسي، أم أمام بطل مسلسل طويل لم تنته حلقاته بعد؟
المشكلة أن بعض هؤلاء، ينسون أن المواطن المغربي، لم يعد ذلك المتفرج الساذج الذي يصدق كل مشهد.
لقد تغيرت الأمور.
الكاميرا أصبحت في كل مكان، والهاتف أصبح شاهداً، والمعلومة أصبحت أسرع من الخطاب، وما كان يمكن دفنه بالأمس تحت طبقات من النسيان، قد يعود اليوم في صورة تسجيل، أو تصريح، أو صورة، أو موقف موثق.
وهنا تبدأ الكوميديا الحقيقية.
لأن بعض السياسيين يتحدثون، وكأن الذاكرة الشعبية فقدت الذاكرة!
يقولون شيئاً اليوم، ثم يقولون نقيضه غداً، وبعد ذلك يتصرفون، وكأن أحداً لم يسمع شيئاً.
والأجمل، أنهم يفعلون ذلك بثقة مذهلة!
ثقة ممثل يعرف أن الجمهور أمامه، لكنه نسي أن الجمهور، يستطيع إعادة المشهد عشرات المرات.
وهنا لا نتحدث عن الاختلاف السياسي الطبيعي، ولا عن تغيير المواقف الذي قد تفرضه الظروف والمعطيات، وإنما عن أولئك الذين يتعاملون مع المواطن، وكأنه مجرد صوت في صندوق الاقتراع، ثم يتحول إلى «شعب عظيم» بمجرد اقتراب الانتخابات.
قبل الانتخابات:
المواطن هو السيد.
أثناء الانتخابات:
المواطن هو الأخ والصديق والعزيز والغالي.
وبعد الانتخابات…
هنا تبدأ الحلقة، التي لا يعرف المواطن متى تنتهي!
فجأة، يصبح الهاتف مشغولاً، والأبواب أثقل من السابق، والوعود تدخل في عطلة مفتوحة، وتتحول الابتسامة الانتخابية إلى صورة نادرة من الماضي.
أما النصب على العواطف، فله في السياسة قاموس خاص.
لا حاجة إلى أرقام دقيقة، ولا إلى برامج واضحة، ولا إلى أجوبة مقنعة.
يكفي أن تقول للناس، ما يحبون سماعه.
قل لهم، إنك تفكر فيهم.
قل لهم، إنك تشعر بآلامهم.
قل لهم، إنك ستغير الواقع.
قل لهم، إنك قريب منهم.
وإذا احتجت إلى جرعة إضافية من التأثير، ضع بعض الكلمات عن «المعاناة» و«المواطن البسيط» و«الحكامة» و«العدالة الاجتماعية»… ثم ابتسم للكاميرا.
وهكذا، يصبح الخطاب جاهزاً للتقديم!
لكن المشكلة، أن الحقائق لا تحتاج إلى مكياج.
والحقيقة، مهما حاول البعض إلباسها ثياباً أنيقة، تبقى قادرة على الظهور في أكثر اللحظات إحراجاً.
بل إن بعض الحقائق، أصبحت تظهر عارية تماماً، ليس لأنها تبحث عن فضيحة، وإنما لأن أصحابها، هم الذين تركوا لها الباب مفتوحاً.
فلا تحتاج الكاميرا إلى الاقتراب كثيراً.
ولا يحتاج الصحافي إلى مطاردة أحد.
أحياناً، يكفي أن يترك السياسي يتحدث… ثم يضع كلامه القديم بجانب كلامه الجديد.
وهنا يبدأ الفيلم الحقيقي!
المشهد الأول، يقول شيئاً.
المشهد الثاني، يقول عكسه.
المشهد الثالث، يشرح لنا لماذا كان المشهد الأول صحيحاً.
أما المشاهدون، فيجلسون في الصفوف الخلفية وهم يتساءلون:
«واش حنا كنتفرجو ففيلم واحد ولا فثلاثة أفلام مجموعين؟»
والأكثر إثارة، أن بعض الوجوه، لا تتعب من لعب الدور نفسه.
نفس الشخصية.
نفس الأسلوب.
نفس الحيل.
نفس العبارات.
حتى إن المواطن، أصبح قادراً على توقع الجملة الموالية، قبل أن ينطق بها صاحبها!
وهنا بالضبط يقع السياسي، الذي يعيش على «الدور»، في مشكلة كبيرة:
حين يصبح الجمهور أذكى من السيناريو.
فالسياسة، ليست مسرحاً مغلقاً، والمواطن ليس كومبارساً، والانتخابات، ليست تذكرة موسمية للظهور، ثم الاختفاء.
السياسة مسؤولية.
والمنصب ليس جائزة.
والصورة أمام الكاميرا، ليست إنجازاً.
والابتسامة، لا تعوض غياب العمل.
أما من يعتقد أن كثرة الظهور الإعلامي، قادرة على صناعة الحقيقة، فعليه أن يتذكر أن الكاميرا نفسها التي تمنحه دقيقة من المجد، قد تمنحه أيضاً دقيقة من الإحراج.
الكاميرا لا تنسى.
والأرشيف لا يجامل.
والتصريحات القديمة، لا تموت بسهولة.
والناس، مهما حاول البعض التقليل من وعيها، أصبحت تعرف كيف تقارن، وكيف تسأل، وكيف تضع الكلام بجانب الفعل.
لذلك، قد ينجح بعض «الممثلين السياسيين» في تمرير مشهد، وربما مشهدين، وربما موسماً انتخابياً كاملاً…
لكن لا أحد يستطيع، أن يضمن نجاح الفيلم إلى النهاية.
لأن النهاية، في السياسة، كما في السينما، لا يكتبها البطل وحده.
الجمهور أيضاً له رأي.
وقد يأتي يوم، يخرج فيه المواطن من قاعة العرض، يطفئ هاتفه، وينظر إلى الملصق الانتخابي المعلق على الحائط، ثم يقول بكل هدوء:
«شكراً… الفيلم شفناه من قبل، وهذه المرة بغينا نشوفو شي حاجة جديدة.»
وعندها فقط، قد يكتشف بعض محترفي الأدوار الخبيثة، أن أخطر شيء على السياسي ليس خصمه، ولا الصحافي، ولا الكاميرا…
بل ذاكرة المواطن.




