الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

حين تتحول السياسة في المحمدية إلى منجم… ويصبح “الفوسفاط” بوابة الأحلام الانتخابية

ضربة قلم

يبدو أن بعض الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على الخريطة السياسية بالمحمدية ومحيطها، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحل والعقد، والقادرين على تحريك الناخبين، كما تحرك قطع الشطرنج، قد دخلوا مرحلة جديدة من الاستثمار، ليس في البرامج، ولا في الأفكار، ولا في خدمة المواطنين، وإنما في البحث عن “المناجم السياسية” التي يمكن استغلالها إلى آخر حبة رمل.

ويتحدث كثيرون في المدينة عن مجموعة من سماسرة الانتخابات، الذين اعتادوا الظهور مع كل استحقاق انتخابي، قبل أن يختفوا بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، وكأن السياسة بالنسبة إليهم، موسم فلاحي أو مناسبة تجارية موسمية. هؤلاء لا يبحثون عن الكفاءات، ولا عن أصحاب المشاريع، وإنما عن أصحاب القدرة على التمويل، أو من يعتقدون أنهم قادرون على تمويل معاركهم الانتخابية المقبلة.

أما العقل المدبر للحملة، فهو شخص لا يتردد في تقديم نفسه بصفة “خبير في المخابرات”، وكأنها تمنحه امتيازا استثنائيا في قراءة المشهد السياسي، والتنبؤ بنتائج الانتخابات قبل أوانها. والمرشح، من جهته، يبدو مقتنعا بأن الطريق إلى البرلمان يمر عبر هؤلاء السماسرة وشبكاتهم، مدعوما بما يعتقد أنه سلاح المال، أكثر من مروره عبر ثقة المواطنين، أو قوة البرنامج الانتخابي.

ولأن لكل تاجر بضاعة، فقد بدا أن هذا “المرشح المتفائل حتى النخاع” وجد ضالته في الحديث عن الوطن أكثر من الجميع، ويذرف الدموع على أوضاع المغاربة، أكثر من المؤسسات المنتخبة نفسها، حتى ليخيل للمتابع أن الرجل يحمل على كتفيه هموم المملكة بأكملها.

المفارقة أن هذا الحماس الوطني المفاجئ، جاء متزامنا مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهو ما يجعل الكثيرين يتساءلون: هل الأمر يتعلق فعلا بيقظة ضمير سياسي؟ أم أن الأمر مجرد استيقاظ مبكر للحملة الانتخابية؟

فالرجل، بحسب ما يروج في الأوساط السياسية بالمحمدية، بدأ بالفعل حملة غير معلنة، رغم أن موعد الانتخابات التشريعية لا يزال يفصلنا عنه وقت، حيث يرتقب أن تعرف البلاد خلال شهر شتنبر المقبل انطلاق الاستحقاقات المنتظرة، غير أنه يبدو متعجلا بشكل لافت، وكأنه يخشى أن يسبقه الآخرون إلى احتلال المشهد.

والمثير أكثر، أن حركته توحي بأنه يعيش حالة من التفاؤل المفرط، تفاؤل لا يصدر عادة إلا عن شخص، يعتقد أن الأمور قد حسمت سلفا، وأن مقعد البرلمان، أصبح مجرد إجراء شكلي، ينتظر فقط الإعلان الرسمي عنه.

هذا الإحساس المبالغ فيه بالاطمئنان، جعل العديد من المتابعين يتساءلون، إن كان الرجل قد تلقى فعلا وعدا “مدفوع الثمن” أو “محجوزا سلفا”، جعله يتحرك بثقة كبيرة، ويباشر حملة انتخابية قبل أوانها، وكأنه يوزع الأدوار ويهيئ المسرح، لما يعتبره نهاية محسومة.

والأكثر إثارة، أن الذين يحيطون به لا ينظرون إليه بالضرورة باعتباره مشروع سياسي أو صاحب رؤية، وإنما باعتباره “منجما للفوسفاط”، أي فرصة قد تدر منافع كثيرة، على من يعرف كيف يستثمرها. وفي عالم السماسرة، لا مكان للعواطف، ولا قيمة للوفاء، فالقاعدة الوحيدة هي: ما الذي يمكن أن يقدمه الشخص؟ وليس ماذا يمكن أن يقدم للوطن.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا اختاروا هذا الشخص؟

بل: ماذا رأوا فيه حتى تحول، بين ليلة وضحاها، إلى محور اهتمامهم؟

هل رأوا فيه مشروع إصلاح؟

أم رأوا فيه مشروع تمويل؟

وهل أصبحت الوطنية اليوم، تقاس بحجم الإمكانيات المالية، أم بحجم الأفكار والمواقف؟

لقد أثبتت التجارب، أن بعض سماسرة الانتخابات، لا يؤمنون بالأشخاص ولا بالأحزاب ولا بالبرامج، وإنما يؤمنون فقط بمن يدفع أكثر. فهم يتعاملون مع المرشحين، كما يتعامل المضارب مع أسهم البورصة؛ يراهنون على من يفتح خزائنه، فإذا أغلقت أو تراجع بريقها، غادروه دون تردد، وانتقلوا إلى غيره، لأن المصلحة عندهم هي العقيدة الوحيدة، أما المبادئ فليست سوى شعارات ترفع عند الحاجة.

واللافت أن هؤلاء أنفسهم، لا يترددون في تغيير ولاءاتهم بين الأحزاب والمرشحين، بحسب اتجاه الرياح، فلا عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة، وهو ما جعل جزءا مهما من الرأي العام، يفقد الثقة في هذا النوع من الوسطاء الذين حولوا السياسة إلى سوق للمزايدات، بدل أن تكون فضاء للتنافس الشريف.

أما المواطن، الذي ينتظر حلولا لمشاكل التشغيل، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والنقل، وتأهيل الأحياء، فإنه يجد نفسه أمام مشهد يتكرر كل خمس سنوات: وجوه جديدة بخطابات قديمة، ووعود أكبر من الواقع، وتحالفات، لا يفهم أحد كيف ولدت، ولا كيف ستنتهي.

ولعل أخطر ما في الأمر، أن الانطلاق المبكر للحملات الانتخابية، إن ثبت أنه يتم خارج الضوابط القانونية، قد يطرح أسئلة حول احترام تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، وحول ضرورة التزام الجميع بالقواعد المنظمة للاستحقاقات، حتى لا تتحول المنافسة السياسية إلى سباق يبدأ قبل صافرة الانطلاق.

وفي النهاية، فإن السياسة لا ينبغي أن تكون منجما للفوسفاط، ولا حقلا للاستثمار الشخصي، ولا وسيلة للاغتناء أو تصفية الحسابات، بل يفترض أن تكون تعاقدا أخلاقيا مع المواطنين، أساسه الصدق والكفاءة وخدمة الصالح العام.

أما الذين يعتقدون أن مقاعد البرلمان تُحجز مسبقا، أو أن المال والعلاقات وحدهما يصنعان الشرعية، فإن التجارب السياسية، في المغرب كما في غيره، أثبتت أكثر من مرة أن الكلمة الأخيرة تبقى، في نهاية المطاف، بيد الناخب حين يقرر أن يميز بين من يخاطب عقله، ومن يخاطب جيبه، وبين من يحمل مشروعا حقيقيا، ومن يحمل فقط حقيبة مليئة بالأوهام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.