حين تتحول المؤسسة إلى خصم لمستخدميها: هل أخطأت إدارة بريد بنك في قراءة غضب موظفيها؟

ضربة قلم
في عالم الإدارة الحديثة، لا تقاس قوة المؤسسات بحجم أرباحها، ولا بعدد فروعها المنتشرة عبر التراب الوطني، بل بقدرتها على تدبير رأسمالها البشري. فالموظف ليس مجرد رقم في جدول الأجور، بل هو الواجهة الحقيقية لأي مؤسسة، وهو الذي يمنحها المصداقية والثقة والاستمرارية.
لكن يبدو أن العلاقة بين إدارة بريد بنك وعدد من مستخدميها، دخلت مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعد أن اختار بعض الموظفين، باب القضاء بدل باب الحوار، وهي خطوة لا يلجأ إليها الموظف عادة، إلا عندما يشعر، بأن كل الأبواب الأخرى قد أوصدت في وجهه.
الأمر الذي يثير الانتباه، ليس عدد الدعاوى القضائية فقط، بل الرسالة التي تحملها هذه الدعاوى. فعندما يجد موظفون قضوا سنوات طويلة داخل المؤسسة أنفسهم، في مواجهة إدارتهم أمام المحاكم، فإن السؤال المشروع يصبح: أين فشلت آليات الوساطة والحوار الداخلي؟
في المؤسسات الناجحة، يتم احتواء النزاعات، قبل أن تصل إلى قاعات المحاكم. هناك لجان للإنصات، وهناك مصالح للموارد البشرية، وهناك قنوات للتفاوض. أما عندما تصبح المحكمة هي العنوان الأول والأخير، فإن ذلك يعكس، في نظر كثيرين، وجود خلل عميق في تدبير الملفات الاجتماعية.
الأكثر إثارة هو أن بعض المسؤولين، داخل المؤسسات العمومية وشبه العمومية، ما زالوا يديرون الموارد البشرية بعقلية إدارية تعود إلى عقود مضت، وكأن الموظف، مجرد منفذ للأوامر، وليس شريكاً في بناء المؤسسة.
إن القضاء قد يقول كلمته في الملفات المعروضة عليه، وقد ينتصر لطرف دون آخر، لكن الخسارة الحقيقية، تكون قد وقعت بالفعل. فالضرر المعنوي الذي يصيب صورة المؤسسة، والشرخ الذي يتسلل إلى علاقتها بمستخدميها، لا يمكن إصلاحه بسهولة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تدرك إدارة بريد بنك أن القضايا القضائية، ليست مجرد أرقام في سجلات المحاكم، بل مؤشرات على أزمة ثقة آخذة في الاتساع؟
فالمؤسسات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتصدع، عندما تتراكم الخلافات الصغيرة، ويغيب الإصغاء، ويصبح الموظف مقتنعاً بأن العدالة لن يجدها إلا خارج أسوار المؤسسة.





https://shorturl.fm/b8G9a