
ضربة قلم
تفصلنا عن الانتخابات التشريعية المقبلة أربعة أشهر وأيام قليلة فقط، وهي فترة يفترض، منطقيا وقانونيا وأخلاقيا، أن تكون مرحلة يقظة قصوى من طرف وزارة الداخلية، والولاة والعمال، وكل أجهزة المراقبة الإدارية والمالية، حتى لا تتحول الأنشطة الجماعية والثقافية والفنية إلى حملات انتخابية مقنعة تُموَّل من جيوب المواطنين، وتُقدَّم على أنها “تنشيط ثقافي” أو “إشعاع فني”، بينما حقيقتها على الأرض، لا تخفى حتى على طفل صغير.
وفي مدينة المحمدية، المدينة التي كانت تُعرف يوما بمدينة الزهور والنظافة والجمال والهدوء، يطفو اليوم سؤال ثقيل على السطح: ما القيمة المضافة الحقيقية التي سيمنحها “مهرجان الزهور” للمدينة وساكنتها في هذا التوقيت بالذات؟ وهل الأولوية اليوم فعلًا للمنصات والحفلات والرقص والأضواء، أم أن الأولوية لشوارع متعبة، وأحياء مهمشة، وبنية تحتية تئن، وشباب فقد الثقة في السياسة وفي المنتخبين معا؟
الناس لا يعارضون الفن، ولا يكرهون الفرح، ولا يقفون ضد الترفيه. المغاربة بطبعهم يحبون الحياة والاحتفال والموسيقى والضحك، لكنهم في المقابل، يملكون حاسة قوية تميز بين الفرح الطبيعي، وبين الفرح الذي يتحول فجأة إلى “استثمار انتخابي” سابق لأوانه.
ثم تأتي ساحة المصلى، والمنصة التي راجت أرقام تقول إنها كلفت حوالي 80 مليون سنتيم من ميزانية الجماعة. وحتى لو خرج من ينفي الرقم أو يؤكده، فإن المشكلة الحقيقية لم تعد في الرقم وحده، بل في الفلسفة التي تحكم تدبير المال العام. فالمواطن المغربي أصبح يسأل: لماذا نجد الملايين جاهزة، حين يتعلق الأمر بالمهرجانات، بينما تختفي لغة الإمكانيات المحدودة، عندما يتعلق الأمر بالحفر، والإنارة، والتشغيل، والمرافق الصحية، والمساحات الخضراء الحقيقية، ومشاكل النقل والفوضى؟
لقد تعب المغاربة من سماع خطاب “لا توجد ميزانية”، ثم يكتشفون فجأة، أن الميزانيات تصبح سخية جدا، حين يتعلق الأمر بالصوت المرتفع، والكاميرات، واللافتات، والسهرات الفنية.
والأخطر من كل ذلك، أن هذا النوع من الأنشطة يُقام في ظرف سياسي حساس جدا، حيث تصبح الحدود بين العمل الجماعي المشروع، والتسويق الانتخابي المبكر، حدودا رقيقة للغاية. وهنا تحديدا يبرز دور السلطات الإقليمية، ليس كطرف سياسي، بل كضامن لحياد الإدارة وهيبة الدولة وتكافؤ الفرص بين الجميع.
لأن المواطن حين يرى منتخبا يحضر في كل حفلة، وكل منصة، وكل صورة، وكل فيديو، بينما باقي الفاعلين غائبون، فإنه سيقتنع تلقائيا، بأننا لسنا أمام نشاط ثقافي بريء، بل أمام حملة انتخابية طويلة، تُدفع تكلفتها بالتقسيط من المال العام.
وفي المقابل، هناك من يتساءل: هل فعلا تحتاج المحمدية اليوم إلى مهرجان زهور؟ وأين هي الزهور أصلا؟ هل مازالت المدينة تحتفظ بذلك البريق الذي منحها اسمها التاريخي؟ أين الحدائق التي كانت متنفسا للعائلات؟ أين النظافة؟ أين جمالية الفضاءات؟ أين البحر الذي يشتكي المصطافون من وضعه؟ أين الأحياء التي تغرق في الظلام؟ أين الشباب العاطل الذي لا يجد حتى أين يقتل فيه الوقت دون أن يُذل بالأسعار؟
إن الخوف الحقيقي ليس من مهرجان عابر، بل من ترسيخ ثقافة تعتبر أن السياسة أصبحت فرجة، وأن المنتخب الناجح هو الأكثر رقصا وظهورا واستعراضا، لا الأكثر إنجازا واشتغالا في صمت.
والمثير أن كثيرا من المواطنين، صاروا يحفظون الوجوه الفنية التي حضرت إلى المحمدية، أكثر مما يحفظون المشاريع التي تم إنجازها فعلا داخل المدينة.
لقد أصبح جزء من الرأي العام يشعر بأن بعض المنتخبين اكتشفوا أن الطريق الأقصر إلى قلوب الناخبين، لم يعد يمر عبر البرامج والرؤى والحلول، بل عبر الموسيقى والميكروفونات والصور الجماعية والرقص أمام الكاميرات.
لكن السؤال الذي يظل معلقا بقوة هو: هل هذا كافٍ لإقناع المواطنين الذين يواجهون يوميا، الرياح والبرد في ساحة المصلى، وغلاء الأسعار والبطالة وتدهور الخدمات؟
فالناخب المغربي تغيّر كثيرا. قد يصفق في السهرة، وقد يرقص مع الأغنية، وقد يلتقط الصور، لكنه حين يدخل إلى خلوة التصويت، يصبح شخصا آخر تماما. هناك فقط، بعيدا عن الموسيقى والأضواء، يبدأ الحساب الحقيقي.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم، ليس منع الفرح، بل حماية الفرح من التوظيف السياسي، وحماية المال العام من التحول إلى وسيلة للدعاية المقنعة، وحماية المؤسسات من أن تُستعمل كخلفية لصناعة الزعامات الانتخابية المبكرة.
أما السلطات، وعلى رأسها العمال والولاة، فهي مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تبعث رسالة واضحة مفادها أن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن الانتخابات تُربح بالبرامج والإنجازات، لا بالمنصات والسهرات التي قد تنتهي بانتهاء آخر أغنية، بينما تبقى مشاكل المواطنين، تعزف نفس المقطوعة الحزينة كل يوم.




