حين تتحول بعض المنابر إلى مقر انتخابي… من يدفع ثمن الدعاية؟

ضربة قلم
لا يحتاج المواطن المغربي إلى كثير من الذكاء، ليلاحظ أن بعض المنابر الإعلامية، منذ مدة، قررت أن تخلع عنها عباءة الصحافة، وترتدي بكل حماس القميص الانتخابي، رغم أن موعد الاقتراع ما زال بعيدا.
وكأن أحدهم ضغط على زر خفي، فتحولت عناوين الأخبار فجأة، إلى منشورات دعائية، وتحولت الافتتاحيات إلى بيانات انتخابية، وأصبحت الكاميرات ترى الإنجازات حيث لا يراها أحد، بينما اختفت من شاشاتها مشاكل البطالة وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، واختناقات الخدمات العمومية، وكأنها لم تعد موجودة إلا في دفاتر المواطنين.
إن المتابع يلاحظ أن حزب التجمع الوطني للأحرار يحظى، في بعض المنابر، بحضور يكاد يكون يوميا. الوزير يبتسم… خبر. رئيس الجماعة يفتتح رصيفا… خبر. مسؤول حزبي يعقد اجتماعا عاديا… خبر عاجل. أما إذا تعثر مشروع أو احتج مواطنون أو ارتفعت أصوات الغضب، فهناك دائما زر سحري اسمه “التجاهل”.
بل إن بعض الصحف الإلكترونية، تبدو وكأنها اكتشفت وظيفة جديدة، لم تعد تكتفي بنقل الخبر، وإنما أصبحت تتكلف أيضا بتلميعه وتلميعه مرة أخرى، ثم تقديمه للقارئ، بعد أن تزيل منه كل ما قد يزعج الصورة.
والأطرف من ذلك، أن كثافة هذا الحضور الإعلامي، توحي وكأن الانتخابات، ستجرى صباح الغد، لا بعد أشهر.
في السياسة، لا أحد يعترض على أن يسوق أي حزب لبرنامجه، فهذا حق مشروع. لكن حين يصبح جزء من المشهد الإعلامي أقرب إلى منصة ترويج منه إلى مساحة للنقاش والنقد، فمن الطبيعي أن يطرح الرأي العام أسئلة حول الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي والتواصل السياسي.
أما عن زعيم الحزب، فحتى أكثر المتحمسين له، يجدون صعوبة في وصفه بأنه خطيب استثنائي أو صاحب حضور جماهيري طاغ. فهو يعتمد في ظهوره على خطاب هادئ وأسلوب إداري، أكثر منه خطابا سياسيا شعبيا، وهو أمر يراه البعض نقطة قوة، بينما يعتبره آخرون نقطة ضعف مقارنة بزعماء أحزاب يعتمدون على الكاريزما في مخاطبة الجماهير.
ولعل هذا ما يفسر، في نظر كثير من المراقبين، كثافة الحضور الإعلامي؛ فحين لا يتولى الخطاب وحده مهمة الإقناع، تتدخل الصورة والعنوان والميكروفون، لتقوم بما عجزت عنه المنصة.
حتى إن بعض المنابر، أصبحت تبدو وكأنها تعمل وفق رزنامة حزبية: نشاط اليوم، تصريح اليوم، ابتسامة اليوم، صورة اليوم… ولم يبق إلا أن تضيف فقرة يومية بعنوان: “ماذا فعل الحزب هذا الصباح؟”
والمفارقة أن هذه “الحيوية الإعلامية”، لا تظهر بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بأحزاب أخرى أو بملفات اجتماعية ملحة، وهو ما يدفع كثيرين إلى التساؤل: هل نحن أمام تغطية صحفية متوازنة، أم أمام اختلال في ميزان الاهتمام؟
الصحافة، في جوهرها، ليست مطالبة، بأن تكون مع هذا الحزب أو ضده، وإنما بأن تحافظ على مسافة واحدة من الجميع، وأن تمنح المواطن المعلومة قبل الانطباع، والتحليل قبل الترويج.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة: إذا كانت بعض المنابر، قد دخلت بالفعل في أجواء الحملة الانتخابية قبل موعدها، فمن حق الرأي العام، أن يتساءل عن أسباب هذا الزخم غير المعتاد، وعن طبيعة العلاقة بين الإعلام والفاعلين السياسيين، لأن الثقة في الصحافة، تُبنى على الاستقلالية، لا على الانطباعات، ولا على كثرة الصور والعناوين المتشابهة. عندما يشعر القارئ أن الصفحة الأولى، تشبه ملصقا انتخابيا أكثر مما تشبه جريدة، فمن الطبيعي أن يتساءل: هل ما أقرأه خبر… أم إعلان لا يحمل كلمة “إشهار”؟




