حين تتحول صفة “فاعل جمعوي” إلى مهنة… وحين يصبح “المستشار الجماعي” مشروع ثروة

ضربة قلم
تصادف شخصًا في الشارع أو في مقهى الحي، فتسأله عن مهنته، فيجيبك بثقة زائدة:
“أنا مستشار جماعي”
أو:
“أنا فاعل جمعوي”.
في الظاهر، يبدو الجواب عاديًا.
لكن في العمق، نحن أمام مفارقة خطيرة:
كيف تحولت صفات يفترض أنها تطوعية وتضامنية إلى ما يشبه “مهنة قائمة الذات”، بل إلى طريق مختصر نحو الوجاهة الاجتماعية وتكديس الثروة؟
من خدمة الساكنة إلى تغيير الطبقة الاجتماعية
الأصل في المستشار الجماعي أنه:
-
منتخب محلي
-
يمثل الساكنة
-
يلج الجماعة الترابية متواضعًا كما دخلها: ابن حي، ابن شارع، ابن واقع
لكن في حالات غير قليلة، يخرج بعد سنوات:
-
بلباس جديد
-
بعلاقات نافذة
-
بممتلكات عقارية
-
وبنفوذ اجتماعي غير مفهوم المصدر
الأخطر أن بعضهم:
لم يكن له رأس مال
ولا شهادة
ولا تجربة مهنية
ولا مشروع اقتصادي
ومع ذلك تغيّر وضعه المالي والاجتماعي بشكل فجائي.
وهنا يبدأ السؤال الثقيل:
هل هي الصدفة؟
أم أن الجماعة تحولت إلى رافعة اجتماعية للاغتناء بدل أن تكون أداة تدبير عمومي؟
الفاعل الجمعوي… من التطوع إلى الاستثمار
العمل الجمعوي في أصله:
-
تطوعي
-
تضامني
-
غير ربحي
-
أخلاقي
لكن منذ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حدث تحول بنيوي:
الدولة أرادت:
-
تمويل المشاريع الاجتماعية
-
محاربة الهشاشة
-
دعم المبادرات المحلية
لكن ما وقع في بعض الحالات هو:
-
نشوء “مقاولة جمعوية”
-
احتراف طلب الدعم
-
توظيف الفقر كورقة تقنية
-
تسويق الهشاشة في ملفات التمويل
فصار بعض “الفاعلين الجمعويين”:
-
يتقنون لغة المشاريع
-
يعرفون كيف تُكتب الطلبات
-
يحسنون اللعب على أوتار العاطفة الاجتماعية
-
ويحوّلون الدعم إلى مورد دائم
وهكذا انتقل العمل الجمعوي عند البعض:
من فعل مواطنة
إلى مهنة غير مصرح بها.
بين السياسة والمال: مغارة علي بابا الحديثة
الخطير ليس في وجود مستشار غني،
ولا في وجود فاعل جمعوي ناجح.
الخطير هو:
حين تتقاطع:
-
السياسة
-
الجمعيات
-
التمويل العمومي
-
العقار
-
الصفقات
في دائرة واحدة مغلقة.
فيصبح:
الانتخاب = فرصة
والجمعية = غطاء
والتمثيل = سلطة
والنفوذ = مفتاح
ويُعاد إنتاج نموذج:
“ما قاري ما سامع… لكن يعرف من أين تؤكل الكتف”.
ليس ذكاء معرفيًا،
بل ذكاء شبكي:
من يعرف من؟
ومن يوقّع لمن؟
ومن يمرّر ماذا؟
حين تصبح اللائحة الانتخابية سلعة
من أخطر ما عرفته بعض التجارب الانتخابية:
تحول الترشح إلى عملية شبه تجارية.
أن يُطلب من المواطن:
-
أن يترشح
-
مقابل مبلغ مالي
-
دون مشروع
-
دون برنامج
-
دون قناعة سياسية
فتتحول اللائحة إلى:
“منتوج انتخابي”
لا إلى عرض ديمقراطي.
وفي حالات معروفة داخل واحد من الأحزاب:
فاق عدد المرشحين الأربعين شخصًا
داخل دائرة انتخابية لمدينة صغيرة
بمقابل مالي عن كل واحد
والاستثناء كان فردين فقط.
وهنا نسأل:
هل نحن أمام انتخابات؟
أم أمام تداول المناصب والوجاهة مقابل المال، وتحويل الثقة الشعبية إلى مجرد ورقة تجارية؟
نحن لا نعمم… ولكن الظاهرة موجودة
التنبيه ضروري:
لسنا بصدد تعميم الاتهام.
فهناك:
-
مستشارون شرفاء
-
فاعلون جمعويون أنقياء
-
منتخبون فقراء قبل وبعد المسؤولية
لكن وجود الاستثناء النزيه:
لا يلغي وجود القاعدة الفاسدة عند البعض.
والخطر الحقيقي:
أن تتحول هذه النماذج إلى:
قدوة اجتماعية
ورسالة سلبية للشباب:
“ادخل الجماعة… تخرج غنيًا”
“أنشئ جمعية… تربح الدعم”
“رشّح نفسك… ولو بلا فكرة”
الديمقراطية المحلية في الميزان
حين يصبح:
التمثيل = مدخل للثروة
والجمعية = وسيلة للتموقع
والانتخابات = استثمار
فإننا لا نكون أمام:
ديمقراطية محلية
بل أمام:
اقتصاد انتخابي
وجمعيات ريعية
وسلطة بلا مضمون أخلاقي.
الخلاصة
المشكل ليس في المستشار الجماعي.
ولا في الفاعل الجمعوي.
المشكل في:
حين تتحول الصفة إلى تجارة،
والتفويض إلى سلعة،
والثقة الشعبية إلى رأسمال خاص.
وحين يصبح السؤال:
“كم ربحت؟”
أهم من:
“ماذا قدمت؟”.
آنذاك فقط نفهم لماذا:
يدخل البعض الجماعة حافي القدمين
ويخرج منها مالكًا للعقار والهيبة والسيارات.
ليس لأنهم عباقرة اقتصاد،
بل لأن:
السياسة حين تُفرغ من الأخلاق
تصبح طريقًا مختصرًا نحو مغارة اسمها:
المال العام.




