الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصادمجتمع

حين تتحول وزارة المالية إلى شريك قسري في حياة المواطن… وحتى في مماته

ضربة قلم

لم يعد من باب المبالغة، ولا من قبيل السخرية السوداء، القول إن وزارة المالية، خلال الولاية الحكومية الحالية، صارت تُدار بعقلية أقرب إلى منطق الجباية القصوى منه، إلى فلسفة العدالة الضريبية. فكل من يتابع السياسات المالية والضريبية المعلنة والمضمَرة، سيخلص -دون كبير عناء- إلى قناعة صادمة: ما يجري اليوم، لم تعرفه حتى أكثر الفترات السياسية قتامة في تاريخ المغرب، حين كانت الدولة تُحكِم قبضتها باسم “الضرورة” و“الاستقرار”.

اليوم، لا حديث عن ضرورة ولا عن ظرفية استثنائية، بل عن نزوع ضريبي شره، لا يفرّق بين حيّ وميت، ولا بين منتج ومتعب، ولا حتى بين ملكية شخصية وإرث عائلي. وزارة المالية، كما يبدو، لم تعد ترى في المواطن شريكًا في الوطن، بل خزانًا متنقلًا للضرائب، يجب عصره إلى آخر قطرة، ولو كان ذلك على حساب أبسط مبادئ الإنصاف.

أخطر ما في الأمر أن هذه الوزارة، لم تعد تكتفي بفرض الضرائب على الدخل أو الاستهلاك، بل أصبح – بلا حرج- تطمح إلى أن تكون شريكة في الممتلكات، بل وحتى في “قبر الحياة”، إن صح التعبير. فكيف يمكن تفسير المبالغ الخيالية، التي باتت تُفرض على بيع العقارات الموروثة؟ عقارات لم تُشترَ أصلاً، ولم تُنتَج في سوق، بل انتقلت من جيل إلى جيل، لتتحول فجأة إلى مصدر استنزاف مالي جديد، وكأن الإرث، صار جريمة يجب التكفير عنها ضريبيًا.

وفي خضم هذا الواقع الخانق، تطلّ علينا الحكومة بخطاب احتفالي، تتغنّى فيه بـ“الدعم الاجتماعي” الموجّه للأسر المغربية، وكأن الأمر يتعلق بكرم حكومي استثنائي، أو هبة شخصية من رئيس الحكومة ومن معه. والحال أن الحقيقة أبسط وأقسى: هذا الدعم مُموَّل من جيوب أسر مغربية، عبر زيادات متتالية في أسعار التبغ والخمور وغيرها من المواد الاستهلاكية، في مفارقة ساخرة دفعت أحد الظرفاء إلى القول إن هذه الأموال “حرام”، لا لأنها كثيرة، بل لأنها تأتي من البيرة والنبيذ.

هنا تتجلى المفارقة الكبرى: حكومة ترفع شعار “الدولة الاجتماعية”، بينما تموّل هذه الاجتماعية، بضرائب غير مباشرة، تطال الفقراء قبل الأغنياء، وتُثقل كاهل الطبقة المتوسطة، التي لم تعد تعرف هل هي مستهدفة لأنها متوسطة، أم لأنها ما زالت واقفة على قدميها.

ولم يتوقف طموح وزارة المالية عند هذا الحد. فقبل أشهر فقط، طُرح -بكل جدية- مشروع فرض ضرائب على أصحاب قنوات اليوتيوب، في خطوة اعتبرها كثيرون شططًا فاضحًا في استعمال السلطة الجبائية. كيف يُعقل أن تقتطع الضريبة من المصدر، أي من الولايات المتحدة، ثم تأتي الوزارة لتقول لصناع المحتوى: “أعطونا نصيبنا”؟ أي منطق هذا؟ وأي فهم للنظام الضريبي العالمي، يسمح بازدواجية كهذه؟ أم أن الفكرة ببساطة: من ظهر له دخل، فليستعد للمقصّ، مهما كان السياق أو القانون؟

أمام هذا المنحى التصاعدي، لم يعد مستبعدًا -وبكل سخرية مرة- أن نستيقظ يومًا على ضريبة جديدة: ضريبة استنشاق الهواء، بدعوى الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، أو إنقاذ ميزانية ولاية حكومية، تُصرّ على النجاح، ولو على حساب رئات المواطنين.

إن الإشكال الحقيقي، لا يكمن فقط في كثرة الضرائب، بل في العقلية التي تُدار بها: عقلية ترى في المواطن، كائنًا قابلًا للقصّ الجبائي بلا حدود، وتتعامل مع الصبر الشعبي، وكأنه مورد لا ينضب. لكن ما يبدو أن الحكومة الحالية، ومن يدور في فلكها، لم يستوعب بعد حقيقة بسيطة: الشعب لم يعد صغيرًا، ولا ساذجًا، ولا غافلًا.

الوعي اليوم أوسع، والذاكرة أطول، والمقارنات متاحة بضغطة زر. والمواطن الذي يصمت اليوم، لا يفعل ذلك عجزًا عن الفهم، بل انتظارًا للحظة الحساب السياسي. فالتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يرحم من يخلط بين الدولة والخزينة، ولا من يظن أن الشرعية تُموَّل بالضرائب فقط، دون عدالة، ودون كرامة.

وحين تصبح وزارة المالية، أخطر من قطاع الطرق، فذلك ليس مجازًا بل جرس إنذار. والسؤال الحقيقي لم يعد: إلى أي حد يمكن فرض ضرائب جديدة؟ بل: إلى متى يمكن تجاهل ذكاء شعبٍ، لم يعد يقبل أن يُعامَل كرقم في جدول الجباية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.