حين تتخلى البيوت عن دورها.. تتكفل الأزقة بالباقي!

ضربة قلم
كان زمان، عندما تدق الساعة السابعة مساء، يبدأ الأطفال في العودة إلى بيوتهم الواحد تلو الآخر، وكأن بينهم موعدا غير مكتوب. كانت الأم تقف عند الباب، تنادي بأعلى صوتها، فيرد عليها الابن من آخر الزقاق: “أنا جاي… أنا جاي”. أما اليوم، فقد تغير المشهد، حتى صار بعض الآباء والأمهات لا يعرفون، إن كان أبناؤهم يلعبون في الحي، أم يجوبون أحياء أخرى، أم يجلسون في أماكن لا يعرفون عنها شيئا.
لقد أصبح الزقاق، عند بعض الأسر، هو غرفة الجلوس الثانية، بل غرفة النوم الثالثة، والمربي الأول، والمستشار النفسي، والجامعة الشعبية، التي يتخرج منها الأطفال في تخصصات، لا تدرس في أي مؤسسة تعليمية.
هناك يتعلم الطفل أول سيجارة، وأول كلمة نابية، وأول تحدٍّ للقانون، وأول استهزاء بالمدرسة، وأول درس في “كيف تصبح رجلا” وفق قاموس الشارع، لا وفق قيم الأسرة.
ولعل أكثر ما يثير السخرية، هو أن بعض الآباء، يعتقدون أنهم قاموا بواجبهم التربوي كاملا، بمجرد شراء هاتف ذكي لابنهم، ثم يفتحون له الباب صباحا، ويغلقونه ليلا، دون أن يسألوا أنفسهم: أين كان؟ ومع من؟ وماذا تعلم؟ وماذا شاهد؟
الأدهى من ذلك، أن بعض الأحياء، أصبحت تعرف أبناء الجيران، أكثر مما تعرفهم أسرهم.
فهذا الطفل يغادر البيت بعد الغداء، ولا يعود إلا قبيل منتصف الليل، وكأنه موظف في شركة متعددة الجنسيات، يؤدي ساعات إضافية، بينما الحقيقة أنه كان يجلس على الرصيف، يناقش مباريات كرة القدم، ويتابع المارة، ويضحك على كل شيء، إلا على مستقبله.
ومن المفارقات العجيبة، أن الأم تبقى طوال الوقت تنظر إلى الهاتف، تنتظر مكالمة من ابنها، بينما هو منشغل بتصوير فيديوهات قصيرة، أو بالتجول بين الأزقة، أو بمرافقة أشخاص يكبرونه بسنوات، بعضهم لا يفرق بين النصيحة والإغواء.
والأب، بدوره، يعود متعبا من العمل، فيكتفي بجملة واحدة:
“ولد… دخل للدار.”
فيدخل الابن، ويأكل، ثم يعود إلى الشارع، وكأنه يستكمل دوامه المسائي.
ولنكن صرحاء…
الخوف اليوم لم يعد يقتصر على حادثة سير، أو شجار بين أطفال الحي، بل أصبح يمتد إلى مخاطر أكثر خطورة، منها الاستدراج، والعنف، وتعاطي الممنوعات، والاستغلال، والاعتداءات الجنسية، التي أصبحت أخبارها، تتكرر بشكل يدعو إلى القلق، سواء تعلق الأمر بأطفال أو مراهقين.
لهذا أصبح كثير من الآباء والأمهات، يعيشون قلقا حقيقيا، لأنهم يدركون أن دقائق قليلة من الغياب، قد تكون كافية لتغيير حياة طفل إلى الأبد.
فالعالم لم يعد كما كان.
الذئاب لم تعد تختبئ في الغابات، بل قد ترتدي ثيابا أنيقة، أو تقود سيارة فاخرة، أو تقدم نفسها في صورة “العم الطيب” أو “الصديق الكبير”.
ولهذا، فإن ترك الأطفال ساعات طويلة دون مراقبة، ليس دليلا على منحهم الحرية، بل قد يتحول إلى مجازفة غير محسوبة.
لكن دعونا نتوقف عند سؤال آخر…
من المسؤول؟
هل هو الأب، الذي يتغيب اثنتي عشرة ساعة يوميا؟
أم الأم، التي أصبحت بدورها تتحمل أعباء لا تنتهي؟
أم المدرسة، التي لم تعد قادرة وحدها على التربية؟
أم الشارع، الذي فتح أبوابه على مصراعيها، لكل من هب ودب؟
الحقيقة أن المسؤولية مشتركة، لكن المؤلم أن الجميع، أصبح يلقيها على غيره.
فالأسرة تقول: المدرسة.
والمدرسة تقول: الأسرة.
والشارع يقول: مرحبا بالجميع… المقاعد مجانية، والدروس مستمرة حتى منتصف الليل!
ومن أطرف ما يمكن أن تراه في بعض الأحياء، أن الطفل الذي لم يتجاوز الثانية عشرة، صار خبيرا في كل شيء.
يفتي في السياسة.
ويحلل الاقتصاد.
ويناقش انتقالات اللاعبين.
ويعرف أسعار السجائر الإلكترونية.
ويحفظ أسماء المؤثرين، أكثر مما يحفظ أسماء الأنبياء أو العلماء.
أما إذا سألته عن آخر كتاب قرأه، فسوف ينظر إليك، وكأنك تحدثه بلغة قادمة من كوكب آخر.
لقد أصبحت أزقتنا عبارة عن “أكاديميات مفتوحة”.
لا تحتاج إلى تسجيل.
ولا إلى أداء واجبات شهرية.
ولا إلى شهادة مدرسية.
كل ما تحتاجه هو أن تخرج من بيتك، ثم تترك الوقت يفعل الباقي.
هناك ستتعلم كيف تضيع الساعات.
وكيف تسخر ممن يدرس.
وكيف تعتبر الاجتهاد “فشوش”.
وكيف يصبح الحلم مجرد مادة للضحك.
والمفارقة الساخرة، أن بعض الأسر تستثمر آلاف الدراهم في الملابس، والهواتف، والأحذية الرياضية، لكنها لا تستثمر ساعة واحدة يوميا في الحديث مع أبنائها.
وكأن التربية أصبحت خدمة، يمكن تنزيلها من متجر التطبيقات.
ليس المطلوب أن يتحول البيت إلى سجن، ولا أن يعيش الطفل تحت المراقبة الدائمة، فالأطفال يحتاجون إلى اللعب والتفاعل واكتشاف العالم. لكن بين الحرية والإهمال خيط رفيع، وإذا انقطع هذا الخيط، وجد الطفل نفسه يتيما تربويا، حتى وإن كان والداه على قيد الحياة.
فالبيت ليس مجرد أربعة جدران، بل هو أول مدرسة، وأول حضن، وأول حصن يحمي الطفل من الانجراف.
وإذا تنازل البيت عن هذا الدور، فلن يتردد الشارع في ملء الفراغ… ولكن بطريقته الخاصة.
وفي النهاية، لعل أخطر أنواع التخلف ليس قلة المال، ولا ضعف الإمكانيات، بل أن نعتاد رؤية أطفال، يقضون نهارهم ولياليهم في الأزقة، يملؤون الأحياء صخبًا، ويزعجون الجيران، ويحوّلون الأزقة إلى فضاءات للفوضى والشغب، ثم نتعامل مع ذلك،، وكأنه مشهد عادي لا يستحق حتى الالتفات. يومها لن يكون الشارع، قد احتضن أبناءنا فقط، بل سيكون قد انتزعهم منا بصمت، وسلبهم براءتهم وقيمهم وأحلامهم، بينما نحن نكتفي بجملة اعتدنا ترديدها لتبرير كل شيء: “راه غير كيلعب مع الدراري”. لكن الحقيقة أن اللعب، ينتهي عند ساعة معينة، أما ترك الأطفال لساعات طويلة، دون توجيه أو رقابة، فهو بداية رحلة قد لا يعرف أحد إلى أين ستقودهم.




