حين تتفوّق “دورية شرطة” على شركات النقل: درس في المواطنة بطعم الباكالوريا

العربي ازعارة
في مدينة طاطا، لم تكن الفلسفة مجرّد مادة امتحانية، بل تحوّلت إلى درس حيّ في التضامن والإنسانية. تلميذة وصلت متأخرة، وبدا أن حلم الباكالوريا يتبخر… لكن دورية أمنية كانت هناك، لا لتعتقل أو تسجّل مخالفة، بل لتنقذ مستقبلًا كان على وشك الانهيار. في زمن تتوارى فيه المسؤولية خلف البلاغات الرسمية، جاءت المبادرة من رجل شرطة بسيط، ليُلقّن الجميع درسًا لا يُدرّس في المقررات: أن تكون مواطنًا هو أن تكون حاضرًا حين يحتاجك الوطن.
فهل آن الأوان لباقي المؤسسات أن تفهم الدرس؟
التلاميذ الذين يجتازون امتحانات الباكالوريا ليسوا مجرّد أرقام امتحانية، بل هم أبناء هذا الوطن، وأمل مستقبله. يخوضون هذه المحطة المصيرية مثقلين بضغط الترقّب، وثقل المسؤولية، وضجيج المقارنات. ورغم كل هذا، يواصل الكثير منهم النضال في ظروف لا تليق بحجم الرهان، خصوصًا أبناء الفئات الهشة، الذين لا يملكون رفاهية التأخّر أو الغياب أو حتى الخطأ العابر.
ويبدو أن مقولة: “لولا أبناء الفقراء لضاع العلم” لم تكن عبثًا، بل صدى لزمن كانت فيه المدرسة العمومية مصنعًا للأمل، قبل أن يتسلل إليها الوهن ويظهر جيوش التعليم الخصوصي، تحت لافتات “الجودة” و”التفوّق”.
ذلك موضوع آخر يستحق وقفة مفصّلة، لكن ما يعنينا هنا هو أن امتحانات الباكالوريا، رغم ما يرافقها من تعب وإرهاق، تظل لحظة حاسمة تختبر فيها الدولة نفسها، لا فقط تلامذتها.
حادثتان خلال هذه الدورة أثارتا انتباهي، وشكّلتا نوافذ مشرقة في واقع كثيرًا ما يبدو قاتمًا:
الأولى، تتعلق ببعض سائقي سيارات الأجرة الصغيرة في الدار البيضاء ومراكش، الذين خصصوا سياراتهم لنقل التلاميذ مجانًا إلى مراكز الامتحانات، في مبادرة فردية نابعة من حس مواطن خالص، لا يسعى إلى إشادة ولا إلى صورة في الجرائد.
أما الثانية، فهي الأجمل والأكثر رمزية: دورية شرطة في مدينة طاطا تنقل تلميذة في حالة انهيار بسبب تأخرها عن امتحان الفلسفة، وتنقذها من ضياع عام دراسي كامل.
هذا التفاعل الإنساني، في الزمن المناسب، مكّن التلميذة من الوصول إلى المؤسسة في الوقت المحدد، لتعيش لحظة امتنان لا تُنسى، وتتنفّس الصعداء بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من خسارة حلمها الدراسي. إنها لحظة تختصر ما يمكن أن تفعله إرادة صادقة في تغيير مصير فرد.
وهنا يُطرح سؤال محوري:
إذا كانت مبادرة سائق أو شرطي قد تصنع الفرق، فماذا عن المؤسسات الكبرى التي يُفترض فيها أن تكون أكثر تنظيمًا وتخطيطًا؟
نتحدث تحديدًا عن شركات النقل الحضري، تلك الحافلات التي استفادت لسنوات من انخراطات التلاميذ والطلبة، ومن دعم الجماعات المحلية والجهات.
أين هي هذه الشركات من امتحانات الباكالوريا؟
لماذا لا تبادر هي الأخرى بتخصيص أيام الامتحانات لنقل التلاميذ – بما فيهم غير المنخرطين – مجانًا؟
هل ستخسر شيئًا إن فعلت؟
أم ستربح احترامًا وامتنانًا من آلاف الأسر، وتُثبت أنها ليست مجرّد شركة تجارية، بل فاعل مواطن؟
لقد حان الوقت لإعادة تعريف دور المؤسسات في المجتمع. فالمواطنة ليست شعارًا، بل سلوك يومي، ومسؤولية جماعية. والشرطة التي أنقذت مستقبل تلميذة بطاطا، والسيارات الصغيرة التي فتحت أبوابها بالمجان، قدمت دروسًا عملية في هذه المواطنة التي نبحث عنها في كل القطاعات.
ربما لا نحتاج إلى قوانين جديدة بقدر ما نحتاج إلى ضمير حيّ، وإرادة خالصة لخدمة الصالح العام.
فهل تلتقط شركات النقل الحضري الرسالة؟
وهل تتبناها مؤسسات أخرى، ليصبح التضامن قاعدة لا استثناء؟
الجواب ليس في البلاغات، بل في ميدان الفعل.




