
م-ص
حين نقرر أن نُخرج ما يعتمل في دواخلنا من مشاعر، لا نفعل ذلك بدافع الاستعراض أو لطلب انتصارٍ عاطفي سريع، بل كأننا نقف على عتبة معنى أسمى، نخلع عنه ضجيجنا، وننحني قليلًا احترامًا لهيبته. فالحب، في جوهره، ليس صخبًا ولا ادّعاءً، بل هو حالة من السكينة العميقة التي تُجبرنا على التواضع، كأننا ندخل مقامًا لا يُرفع فيه الصوت، ولا تُفرض فيه الشروط.
إن التعبير عن المشاعر ليس ضعفًا كما يُروَّج أحيانًا، بل هو شجاعة من نوعٍ نادر، شجاعة أن تقول: “أنا هنا، بكل ما فيّ من صدق”، دون أن تضمن صدىً مماثلًا. هو أشبه بطرقٍ خفيف على بابٍ لا نملك مفاتيحه، نعلن فيه حضورنا، ثم نتراجع خطوة إلى الوراء، ليس خوفًا، بل احترامًا. احترامٌ لذلك الكبرياء الطبيعي الذي يسكن الآخر، والذي لا ينبغي أن يُداس تحت ثقل العاطفة أو استعجال الرد.
ولعل أجمل ما عشناه، تلك اللحظات التي كنا نتكلم فيها بلا حساب للوقت، في كل الساعات، حتى عند الثالثة أو الرابعة صباحًا، حين ينام العالم وتستيقظ الأرواح. هناك، في ذلك الصمت الذي يحيط بالكلمات، كنا نكتشف أننا لا نتبادل الحديث فقط، بل نتقاسم حضورًا أعمق، كأن روحينا تتعانقان دون وساطة، تتفاهمان دون ترجمة، وتلتقيان في مساحة لا يمكن تبريرها بأي منطق خارجي أو تغليفها بأي سبب عابر. كان الأمر أصدق من أن يُشرح، وأبسط من أن يُفسَّر.
نحن، حين نُبادر، لا نُطالب، ولا نُلزم، بل نُهدي. نُهدي كلمة، نظرة، إحساسًا، ونتركها معلّقة في فضاءٍ نقي، تنتظر أن تُستقبل أو أن تظلّ كما هي، جميلة في صدقها، حتى وإن لم تجد طريقها إلى قلبٍ آخر. في تلك اللحظة، نكون قد أدّينا ما علينا بكرامة، دون أن نكسر توازننا أو نُفرّط في أنفسنا.
فالاحترام المتبادل هو ذلك الخيط الخفي الذي يحفظ للعاطفة نقاءها. هو الذي يجعل من الانتظار موقفًا نبيلاً، لا ضعفًا. أن تنتظر ردّ السلام، لا لأنك عاجز عن المضي، بل لأنك تؤمن أن لكل شعور وقته، ولكل قلب إيقاعه الخاص. وهنا فقط، تتحول المبادرة إلى فعل حضاري في الحب، لا اقتحامًا ولا استحواذًا.
وفي هذا التوازن الدقيق، تُحمى العواطف من الانهيار. لأن الحب، حين يُفرَض، يفقد معناه، وحين يُستعجَل، يذبل قبل أن يكتمل. أما حين يُترك لينمو في مساحته الطبيعية، بين بادرة صادقة وصمتٍ محترم، فإنه يكتسب قوة هادئة، تشبه جذور الأشجار التي لا تُرى، لكنها تحمل الحياة كلها.
إننا، في أرقى لحظاتنا الإنسانية، لا نبحث عن امتلاك الآخر، بل عن لقائه في منتصف الطريق، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل روحان تتصافحان في ضوءٍ خفيف من التفاهم. هناك، فقط، يصبح الحب سلامًا، لا معركة، ويصبح التعبير عنه فعلًا من أفعال النبل، لا مقامرةً خاسرة.
لهذا، حين نعبر عما يسكننا، فنحن في الحقيقة، نُعلن احترامنا للحب قبل أي شيء. نطرق الباب، نُلقي التحية، ثم نجلس بهدوء ننتظر، لأننا نعرف أن أجمل ما في المشاعر ليس اندفاعها، بل قدرتها على أن تظلّ متزنة، حيّة، ومصونة من كل ما قد يدفعها نحو السقوط.
وفي ختام هذا البوح الذي لم يكن يومًا اندفاعًا، بقدر ما كان احترامًا عميقًا لمعنى الحب، أجدني قد وضعت بين يديك شيئًا لا يُقاس ولا يُستعاد بسهولة… لقد منحتك روحي كاملة، كما هي، بلا أقنعة ولا حسابات.
وأنا الآن لا أطلب، بل أنتظر… انتظارًا نظيفًا، منزّهًا عن كل ما قد تُفسده نزعات التكبر العاطفي، أو تلك الظلال الثقيلة للنفس، حين تتيه في وهم التعالي.
فهل يصل هذا السلام إليك كما خرج مني؟ أم يظل معلقًا بين قلبين، ينتظر أن يُكتب له الجواب؟




