الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

حين ترحل الأحزاب ويبقى الفتات

ضربة قلم

في الماضي، كانت السياسة في المغرب تدار بأسماء لها وزنها التاريخي والنضالي: زعامات بصوتها، بحضورها، بكاريزماتها، كانت تُحرّك الشارع وتؤثر في الرأي العام. مهما اختلف الناس حول مواقفها، كانت تحظى بالاحترام لأنها جزء من ذاكرة النضال، وجزء من معارك التحرر والعدالة الاجتماعية. كان السياسي، حتى لو اختلفت معه، يفرض عليك أن تنصت.

اليوم، المشهد مغاير تمامًا: رحلت الأحزاب العريقة، أو على الأقل فرّغت من مضمونها، وبقي مكانها فتات سياسي يملأ الفراغ بالضجيج لا غير. بدل الزعيم الذي كان يقنعك بخطابه، ظهر “موظفو السياسة” الذين يتحدثون بلغة خشبية مليئة بالشعارات المكرورة، بلا رؤية، ولا مشروع، ولا حتى خيال.

الأحزاب الإدارية… زمن الخجل انتهى

قديماً، حتى الأحزاب الإدارية – تلك التي وُلدت من رحم السلطة لمحاربة الأحزاب التاريخية – كانت تتحلى بشيء من الحذر والحياء السياسي. لم تكن تجرؤ على الخرجات الصبيانية، لأنها كانت تدرك أن الرأي العام لا يرحم، وأن الشارع ما زال متشبّعًا بالوعي السياسي.
أما اليوم، فقد صار المشهد مسرحًا لمواقف عبثية تثير السخرية أكثر مما تثير النقاش. يكفي أن نتذكر قصة أحد المسؤولين الذي أعلن بكل “فخر” أنه سيمنح دعمًا بقيمة 2500 درهم لفائدة المواطنين، وكأن الحلول الكبرى تختزل في فتات لا يسدّ رمق أسرة لشهر واحد.

الشعب… بين الاحترام والاحتقار

المفارقة المدهشة أن الشعب، رغم كل شيء، ظل أكثر نبلًا من بعض سياسييه. ذلك “المسؤول” الذي استحق أن يُرجم بالحجر على تصريحاته المستفزة، لم يُرجم، لأن الشعب أدرك أن الرجم فعل لا يليق، وأن الازدراء أبلغ من أي حجر. وهنا يكمن التحول الكبير:

  • في الماضي، كان السياسي يحظى بالاحترام رغم الخلاف.

  • اليوم، صار كثير من السياسيين يُقابلون بالاحتقار رغم المنصب.

فتات السياسة… خطاب بلا مضمون

ما نعيشه اليوم ليس صراع أحزاب حقيقية، بل فتات أحزاب تبحث عن نصيبها في الكعكة الانتخابية. خطابها فارغ، ووعودها متناقضة، وأداؤها متواضع إلى حد الفضيحة. ولأنها فقدت الزعامات التاريخية، صارت تملأ المشهد بوجوه باهتة، لا يعرفها المواطن إلا حين يراها في ملصق انتخابي أو تصريح عابر في نشرة الأخبار.

أين ذهب الرصيد التاريخي؟

أحزاب الحركة الوطنية التي واجهت الاستعمار، والتي ناضلت من أجل الديمقراطية، صارت اليوم ظلالًا باهتة لما كانت عليه. قادتها الجدد لم يرثوا سوى المكاتب والمقرات، أما القيم والمبادئ فقد ضاعت وسط حسابات انتخابية صغيرة.
إنها مفارقة مؤلمة: أحزاب خرجت من رحم الشعب، وانتهت وهي تبحث عن رضا السلطة، وتتنافس على فتات الامتيازات.

نحو أفق مسدود؟

هذا الانهيار في المشهد السياسي لم يمرّ دون ثمن. فقدان الثقة في الأحزاب تراكم عامًا بعد عام، حتى صار المواطن ينظر إلى السياسة كفضاء للتلاعب لا للتغيير. النتيجة؟ عزوف انتخابي، برود شعبي، واحتجاجات عفوية خارج أي إطار حزبي.
كأننا أمام إعلان صريح: الأحزاب غادرت المسرح، وتركت وراءها فتاتًا يتناثر هنا وهناك، بلا قوة، بلا معنى، وبلا مشروع مجتمعي.

الشعب يكتب الصفحة الجديدة

وإذا كان الماضي قد منحنا زعامات، والحاضر أغرقنا في فتات، فإن المستقبل قد يفتح بابًا جديدًا: وعي شعبي يرفض هذا العبث، ويبحث عن بديل حقيقي. ليس بالضرورة حزبًا تقليديًا، بل ربما حركة جديدة أو دينامية مدنية تنبع من عمق المجتمع، لا من صالونات السياسة الرسمية.

في النهاية، يمكن القول إن السؤال لم يعد: ماذا فعلت الأحزاب؟
بل: هل بقيت لدينا أحزاب أصلًا؟ أم أننا نتفرج فقط على فتات يتنازع على فتات؟


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.