دفاتر قضائية

حين تصادق الداخلية… يصبح الفساد “قانونيًا” والذاكرة اختيارية!

ضربة قلم

يا سلام على زمن البراءة الإدارية، حيث يتحول المتهم إلى أستاذ في القانون الإداري، والصفقات المشبوهة إلى “إنجازات مصادق عليها من وزارة الداخلية”!
شهدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، اليوم الجمعة، عرضًا مسرحيًا بطله الوزير السابق ورئيس جماعة الفقيه بن صالح، محمد مبديع، الذي بدا في جلسة الاستماع وكأنه جاء ليُدرّس القضاء دروسًا في “فن تبرير الصفقات العمومية”.

بدأ مبديع مرافعته بنفس الجملة التي يرددها أغلب المسؤولين المغاربة حين يشتد عليهم الخناق: “الداخلية كانت عارفة ومصادقة”. وكأن هذه العبارة تعفي من الحساب وتحوّل أي صفقة غامضة إلى معجزة بيروقراطية!
فمن وجهة نظره، كل ما يحمل توقيع وزارة الداخلية يصبح طاهرًا من الشبهات، حتى لو كانت رائحته تزكم أنوف ساكنة الفقيه بن صالح من المحيط إلى الخليج.

وعندما سئل عن صفقة عمرها عشرون عامًا، قال الرجل بثقة العالم المنسي: “صعب نتذكر التفاصيل، لكن الأكيد أن كلشي كان قانوني”.
أكيد طبعًا، فمن ذا الذي يتذكر تفاصيل “صفقة صغيرة” بثمن 385 مليون درهم؟ لا أحد طبعًا، إلا دافعي الضرائب الذين ما زالوا يسددون فواتيرها إلى اليوم.

ثم جاء الجزء الأكثر كوميدية في المسرحية حين تحدث عن مشروع الماء الذي كلف حوالي 44 مليار سنتيم، مؤكدًا أن الدراسة والمراقبة تمت من طرف وزارة الداخلية أيضًا. هنا، بدت القاعة وكأنها في محاضرة عن “كيف تصنع براءة مضمونة بأختام الدولة”.
فالمبدأ بسيط: إذا وافقت الداخلية، فحتى لو بنينا جسرًا فوق وادٍ لا وجود له، فالقانون “صحيح والإجراءات سليمة”.

ولأن أي متهم جيد يحتاج دائمًا إلى لمسة إنسانية، أضاف مبديع أن الجماعة التي ترأسها لم تكن تلهو بالمال العام، بل بنت “مستوصفًا ومسجدًا وسكنًا اجتماعيًا”.
يا سلام! يبدو أن الفساد عندنا أصبح يصلي قبل أن ينهب، ويتوضأ قبل أن يوقّع على الصفقة.

أما قصة السوق الأسبوعي الذي قيل إنه كان في ملكه، فأنكرها قائلاً إن السوق “ملك للدولة”، وإن شركة “ضحى” هي التي حصلت على الأرض بترخيص من الوالي.
هكذا ببساطة، الأرض تُمنح، المشاريع تُبنى، والملايير تُصرف، ثم يُقال لك في النهاية: “راه الوالي صادق، والداخلية شافت”.

في نهاية الجلسة، بدا مبديع مقتنعًا بأنه لم يخطئ قط، وأن كل شيء تم وفق المساطر، وكأن “المساطر” في هذا البلد أصبحت ستارًا مقدسًا يُخفي ما لا يُقال.
أما المواطن الذي ينتظر مستوصفًا يشتغل أو طريقًا لا تتآكل بعد أول مطرة، فهو آخر من يحق له السؤال… لأن الداخلية كانت موافقة، والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.