ضربة قلم
ليس كل نزاعٍ على الطريق مجرّد سوء تفاهم عابر، وليس كل احتكاك بين سائقين ينتهي باعتذار أو إشارة اعتذار خجولة. أحيانًا، يكفي “حق أسبقية” تافه، أو تأخر بثوانٍ معدودة، حتى يتحول المشهد إلى انفجار مفتوح للأعصاب… حيث تختفي القوانين، ويظهر شيء آخر أكثر خطورة: الغضب العاري من كل ضابط.
في القنيطرة، لم يكن الأمر مجرد مشادة بين سائقين، بل لحظة حقيقية، اقتربت من التحول إلى جريمة قتل. لم يكن هناك سلاح، لكن كانت هناك نوايا مشحونة، وأيادٍ تتحرك بعنف، ونظرات تقول كل شيء: “أنا هنا لأنتصر… لا لأمرّ فقط”.
مشهد يلخص واقع طرقاتنا، حيث لم تعد الأسبقية مجرد قاعدة ينظمها قانون السير، بل أصبحت رهانًا على الهيبة، والأنانية، وإثبات الذات. كل سائق يحمل داخله قناعة خفية: “إما أنا… أو لا أحد”. وهنا، تبدأ القصة التي نعرف نهايتها دائمًا، لكننا نرفض الاعتراف بها.
إنه ليس حادثًا معزولًا، بل مرآة صادقة لثقافة غائبة: ثقافة التسامح في السياقة. تلك الثقافة التي تجعل من الخطأ أمرًا عاديًا، ومن الاعتذار قوة، ومن التنازل لحظة وعي… لا هزيمة.
لكن، في طرقاتنا، يبدو أن الأمور تسير بالعكس تمامًا… حيث يمكن لمنبّه بسيط، أن يتحول إلى شرارة، ولأسبقية عادية أن تصبح قضية حياة أو موت.
من أسبقية إلى محاولة قتل… كيف؟
المثير للقلق ليس الحادثة في حد ذاتها، بل السرعة المخيفة التي يتصاعد بها العنف:
- خلاف بسيط حول المرور
- احتكاك لفظي
- انفجار في الأعصاب
- استعداد للاعتداء الجسدي الخطير
كل هذا في دقائق… وكأن بعض السائقين يسوقون سياراتهم ومعهم قابلية جاهزة للانفجار.
الطريق… سيرك قد ينتهي بمأساة
ما نعيشه اليوم في شوارعنا يتجاوز الفوضى… نحن أمام سيرك مفتوح:
- سائق شاحنة يفرض منطقه بالقوة
- سائق سيارة خفيفة يرد بعناد
- سائق حافلة يدخل على الخط، وكأن الطريق “غنيمة”
والنتيجة: صراع ثلاثي لا تحكمه لا قوانين ولا أعصاب.
لكن الخطير هو أن هذا “السيرك” لم يعد مضحكًا… بل أصبح قابلًا للتحول إلى جريمة في أي لحظة.
المشكلة الحقيقية: غياب ثقافة التسامح
لنكن صريحين:
نحن لا نعرف ثقافة التسامح في السياقة.
نُتقن:
- الضغط على المنبه
- تبادل الشتائم
- الدفاع عن “الأسبقية” حتى آخر نفس
لكننا لا نتقن:
- الاعتذار
- التغاضي
- امتصاص التوتر
وكأن الطريق عند البعض ليست فضاءً مشتركًا، بل معركة كرامة متنقلة.
حين يصبح الخطأ “إهانة”
في مجتمعات تحترم نفسها، الخطأ في السياقة يُفهم على أنه:
“سهو بشري”
أما عندنا، فيُترجم إلى:
“إهانة شخصية تستوجب الرد”
وهنا يبدأ الانزلاق الخطير… من قانون السير إلى “قانون الغضب”.
الحل: إعادة تربية السائق قبل تسليمه المقود
إذا كان هذا النزاع قد كاد يتحول إلى جريمة قتل، فالمشكل ليس في الطريق… بل في العقلية التي تقود.
لهذا، من الضروري:
- إدخال ثقافة التسامح ضمن امتحانات السياقة
- تقييم السلوك، وليس فقط المهارات التقنية
- ترسيخ فكرة أن “السلامة أهم من الأسبقية”
يجب أن يتعلم السائق منذ البداية أن:
التراجع أحيانًا ليس هزيمة… بل نجاة.
الخلاصة
حادثة القنيطرة ليست مجرد إنذار… بل صفعة.
لأننا إن لم نُدخل “ثقافة التسامح” إلى طرقاتنا،
فإن كل سيارة قد تتحول إلى سلاح محتمل،
وكل خلاف بسيط… إلى مشروع جريمة.
ويبقى السؤال الحقيقي:
كم من “أسبقية” أخرى نحتاج… قبل أن نُعطي الأولوية للعقل؟