
ضربة قلم
لم يعد الحديث عن غلاء المعيشة في المغرب، مجرد تذمّر عابر، يُتداول في المقاهي أو على منصات التواصل، بل تحوّل إلى إحساس جماعي ثقيل، يرافق المواطن في تفاصيل يومه، منذ لحظة خروجه إلى السوق، إلى لحظة حساب ما تبقى من راتبه قبل نهاية الشهر. لم يعد السؤال: “هل هناك غلاء؟” بل أصبح: “كيف يمكن الاستمرار في ظل هذا الغلاء؟”
في الظاهر، تبدو الأرقام مطمئنة أحيانًا. تقارير تتحدث عن استقرار نسبي، أو تحكم في نسب التضخم، أو إجراءات حكومية لدعم بعض المواد. لكن في العمق، هناك واقع آخر لا يُقاس بالنسب، بل يُقاس بقدرة المواطن على العيش بكرامة. الفرق بين الرقم والإحساس هو الفجوة، التي تتسع يومًا بعد يوم، وتُغذي شعورًا صامتًا بعدم الإنصاف.
غير أن ما يغيب أحيانًا عن هذا النقاش، أو يُذكر بخجل، هو الدور الحاسم لأسعار المحروقات، التي تحوّلت إلى محرك خفيّ يجرّ وراءه سلسلة طويلة من الارتفاعات. فالمغربي قد لا يملأ خزان سيارته يوميًا، لكنه يدفع ثمن ذلك، في كل شيء يشتريه.
في الظاهر، يُقدَّم ارتفاع أسعار الوقود، كأمر مرتبط بالسوق الدولية وتقلبات النفط، لكن في الواقع يتشكل لدى المواطن إحساس مختلف: لماذا تبدو الأسعار مرتفعة، بشكل مبالغ فيه أحيانًا؟ ولماذا لا تنعكس الانخفاضات بالسرعة نفسها التي تُعتمد عند الارتفاع؟ هنا، لا يتعلق الأمر فقط بالأرقام، بل بإحساس يتزايد بأن كلفة العيش، أصبحت منفصلة عن المنطق.
الأثر المباشر لهذه الزيادات يظهر بوضوح في قطاع اللوجستيك، العمود الفقري، لحركة السلع داخل البلاد. سائقو الشاحنات، وشركات النقل، وكل العاملين في سلاسل التوزيع، يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة: تكاليف تشغيل ترتفع باستمرار، وسوق لا يرحم. ومع كل زيادة في المحروقات، ترتفع كلفة النقل، ومعها ترتفع أسعار الخضر والفواكه، والمواد الغذائية، ومواد البناء… لتصل في النهاية إلى المستهلك البسيط.
وهكذا تتشكل حلقة مترابطة يصعب كسرها: محروقات مرتفعة، نقل مكلف، سلع غالية، وقدرة شرائية منهكة.
في الأسواق، لم تعد الأسعار تُناقش كما في السابق، بل أصبحت تُستقبل بنوع من الاستسلام. البائع يبرر، والمشتري يقلّص، والأسرة التي كانت تملأ سلتها الأسبوعية بسهولة، أصبحت تعيد ترتيب أولوياتها بدقة مؤلمة. لم يعد الأمر يتعلق بالكماليات، بل طال الأساسيات التي كانت تُعتبر من البديهيات.
الطبقة المتوسطة، التي كانت تشكّل صمام توازن داخل المجتمع، تجد نفسها اليوم في وضع حرج. لا هي قادرة على الاستفادة من برامج الدعم الموجهة للفئات الهشة، ولا هي تملك هامشًا مريحًا للتكيّف مع الزيادات المتتالية. إنها طبقة تُستنزف بصمت.
أما الفئات الهشة، فهي تعيش ضغطًا يوميًا مضاعفًا، بعيدًا عن الأضواء. هناك معاناة لا تُكتب في التقارير: أمهات يُعدن ترتيب المائدة وفق ما تسمح به الظروف، آباء يخفون قلقهم، وشباب يفقدون تدريجيًا الثقة في الغد. الغلاء هنا ليس مجرد رقم، بل واقع ثقيل يضغط على الأعصاب قبل الجيوب.
الأخطر من كل ذلك، هو التحول الذي يصيب نظرة المواطن إلى هذا الواقع. حين يشعر أن دخله لا يكفي، وأن الجهد لا يُكافأ، وأن الأسعار ترتفع دون تفسير مقنع، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى الثقة. الثقة في المؤسسات، في الخطاب، وفي المستقبل نفسه.
صحيح أن هناك عوامل خارجية تؤثر، من تقلبات الأسواق العالمية إلى الأزمات الدولية، لكن المواطن لا يعيش هذه التفاصيل، بل يعيش نتائجها فقط. ما يهمه في النهاية، هو قدرته على العيش بكرامة داخل بلده.
اليوم، لم يعد النقاش حول غلاء المعيشة ترفًا فكريًا، بل ضرورة اجتماعية. وهو نقاش لا يمكن أن يكتمل دون مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار كلفة المحروقات، وتأثيرها المباشر على النقل والأسعار، وعلى التوازن الهش للقدرة الشرائية.
لأن المواطن قد يتحمّل الصعوبات، وقد يتكيّف مع الواقع، لكنه لا يقبل أن يشعر، بأنه الحلقة الأضعف في معادلة لا تنصفه. فحين تصبح الحياة غالية… لا يجب أن يشعر الإنسان أنه الأرخص فيها.




