الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تصبح الخيانة سلَّمًا… وتتحول الذاكرة إلى شاهد لا يشيخ

محمد صابر

حين عدتُ أمس إلى الحكاية التي جاءت في الافتتاحية، لم يكن القصد استدعاء الماضي من باب النوستالجيا، ولا من باب تصفية الحسابات، بل لأن بعض الوقائع، مهما طال عليها الزمن، تظلّ عصيّة على النسيان. واليوم، أجد نفسي، مضطرًا إلى توضيح عنصر أساسي، لم يُقل صراحة من قبل: الواقعة التي أتحدث عنها، تعود إلى ما يقارب ثلاثين سنة. ثلاثون سنة كاملة، كافية لأن ينضج الإنسان، وأن يراجع اختياراته، وأن يعترف، أو على الأقل أن يتصالح مع ذاته ومع الآخرين.

وقبل الاسترسال أكثر، أجدني مدينًا بلحظة امتنان صادقة، لكل الشرفاء الذين تفاعلوا مع افتتاحية الأمس. أولئك الذين قرأوا النص لا بعيون الفضول، بل بوعي التجربة، وبحس إنساني، يدرك أن بعض الكتابات، ليست استعراضًا، ولا بحثًا عن تعاطف، بل محاولة لفهم الذات، ومصالحة الذاكرة، مع ما بقي فيها من ندوب. رسائلكم، تعليقاتكم، وصمت بعضكم أيضًا، كانت كلها أشكالًا من التضامن النبيل، الذي لا يطلب مقابلاً، ولا يزايد، ولا يتاجر بالألم.

أشكر الذين فهموا أن استحضار الماضي، ليس جلدًا للذات، ولا تصفية حسابات متأخرة، بل فعل وعي، ووفاء لقيم مهنية وأخلاقية، ما زال بعضنا يؤمن بها، رغم كل ما تغيّر. وأشكر، على وجه الخصوص، أولئك الذين رفضوا الخيانة في حياتهم، لا لأنهم معصومون من الخطأ، بل لأنهم يدركون، أن الخطأ الشخصي، يمكن تجاوزه، أما خلع المواقف في “جوطية الحياة”، والارتزاق بالمبادئ، فذلك خط أحمر لا يُساوَم عليه.

غير أن ما يثير الدهشة، وربما الأسى، أن أحد بطلي تلك القصة لم يفعل شيئًا من ذلك. بل على العكس، اختار أن يبني مساره اللاحق على مجد مفترى عليه، مجد غذّته، ذاكرة جماعية قصيرة، وصمت طويل، وربما قناعة دفينة، بأن الزمن كفيل بطمس كل ما هو محرج. وحين أستحضر ما وقع اليوم، لا أفعل ذلك بانفعال أو غضب، بل بشعور غريب، من التأمل البارد، كمن يعيد مشاهدة مشهد قديم، لكنه يفهمه اليوم أكثر، مما فهمه بالأمس.

الأغرب في القصة، ليس الخطأ في حد ذاته، فالبدايات المرتبكة واردة، في كل المسارات المهنية، بل الغريب هو الإصرار على تجاهل ذلك الخطأ، دون أي تراجع أو اعتذار. أن تمضي العقود، ويظل الشخص نفسه، يتصرف وكأن الصفحة لم تكن موجودة أصلًا، بل يتحول، إلى محلل تافه، وواعظ أخلاقي، وباحث عن الشرعية، ومطالب بثقة الناس، وأصواتهم في محطات انتخابية. هنا، لا يسعني إلا أن أبتسم، لا سخرية، بل ابتسامة شفقة، على واقع مرير يسمح بمثل هذه التحولات غير المفسَّرة.

كيف يمكن لشخص أعلن، في بدايات مشواره المهني، عن خيانة واضحة -أخلاقية قبل أن تكون قانونية- أن يقف اليوم بثقة، ويطلب من الناس أن يصوتوا له؟ كيف يمكن لمن يعرف ماضيه جيدًا، ويعرف أن هناك من يتذكره، أن يتصرف بكل هذا الاطمئنان؟ ربما لأن الرهان دائمًا يكون على النسيان، وعلى تعب الناس من التذكّر، وعلى ثقافة عامة، لا تحب العودة إلى الوراء، حتى حين يكون الرجوع ضرورة أخلاقية.

ولا يتوقف الأمر عند الماضي البعيد فقط. فحين نُمعن النظر في المسارات اللاحقة لبعض هؤلاء، نكتشف أن الانخراط مع المخزن، لم يكن دائمًا نتيجة قناعة، أو نضج سياسي، بل أحيانًا مجرد انتقال براغماتي، تحكمه المصلحة أكثر، مما تحكمه المبادئ. وأنا حين ألمّح إلى هذا الجانب، لا أفتح ملفًا، بل أكتفي بالإشارة، إلى أن بعض الصفحات المؤجلة، قد يأتي يوم تُقرأ فيه من جديد، بهدوء، ودون ضجيج.

ما أرثي له حقًا ليس شخصًا بعينه، بل واقعًا كاملاً ،يسمح بأن يتحول الماضي الملطخ، إلى رأسمال رمزي، وأن يصبح الصمت فضيلة، والتذكير جريمة. واقع يخلط بين النسيان والمسامحة، وبين طيّ الصفحة وتمزيقها. لذلك، حين أستعيد تلك القصة بعد ثلاثين سنة، لا أفعل ذلك لأجل الماضي، بل لأجل الحاضر، ولأجل سؤال بسيط لكنه مزعج:
هل يمكن، لمن لم يُحاسِب تاريخه، أن يُقنع الناس بمستقبله؟

قد يأتي وقت النبش، ولكن المؤكد أن بعض الحقائق لا تموت، لأنها لم تُحاسَب أصلًا. وفي انتظار ذلك، سيظل التذكير فعلًا أخلاقيًا لا تشهيرًا، وسيظل الصمت، في مثل هذه الحالات، شكلًا من أشكال التواطؤ مع الرداءة… وهذا ما لا أستطيع، ولا أريد، أن أكون جزءًا منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.