
م-ص
كان المشجع في الماضي بسيطًا. يجلس أمام شاشة التلفاز، يحمل علم بلاده، ويؤمن أن الحسم، سيكون في أقدام اللاعبين، وأن صافرة الحكم هي الكلمة الأخيرة، وأن العشب الأخضر، لا يعرف سوى لغة الأهداف. أما اليوم، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيدًا. فالعالم تغير، والسياسة تغيرت، والدبلوماسية تغيرت، وحتى الرياضة نفسها، لم تعد تعيش داخل فقاعة معزولة عن كل ما يدور خارج أسوار الملاعب.
ولأننا لا نعيش في جزيرة معزولة، فقد أصبح من الطبيعي أن نتساءل: هل ما يزال المستطيل الأخضر مستقلاً كما كان؟ أم أن كرة القدم، مثلها مثل الاقتصاد والثقافة والفن، أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة التي تتقن الدول استعمالها، عندما تقتضي المصالح ذلك؟
لا أحد ينكر أن الرياضة، أصبحت لغة دبلوماسية عالمية. رؤساء دول يجلسون جنبًا إلى جنب في المنصات الرسمية، ووزراء يتبادلون الابتسامات، وعدسات الكاميرات، تنقل رسائل قد تكون أهم من نتيجة المباراة نفسها. فالمباريات الكبرى لم تعد مجرد تسعين دقيقة، بل تحولت إلى مناسبة سياسية وإعلامية واقتصادية في الوقت ذاته.
وهنا تبدأ الأسئلة، لا الاتهامات.
من حق الجماهير أن تتساءل: هل تستطيع السياسة أن تبقى خارج الملعب دائمًا؟ وهل يمكن للمصالح الدولية أن تتجاهل حدثًا يتابعه مئات الملايين؟ وهل أصبحت كرة القدم مجرد لعبة، أم أنها أيضًا منصة لإرسال الرسائل، وتلطيف الأجواء، وفتح الأبواب المغلقة؟
هذه أسئلة مشروعة، لأن التاريخ نفسه يخبرنا أن الرياضة، استُخدمت مرارًا كجسر للتقارب بين الدول، وأحيانًا كوسيلة لخفض التوترات، وأحيانًا أخرى كواجهة لتحسين الصورة الدولية. وهذا لا يعني أن كل مباراة، تخضع لحسابات سياسية، لكنه يعني أن العلاقة بين السياسة والرياضة، أصبحت أوثق مما كانت عليه قبل عقود.
المضحك في الأمر أن بعض الناس، يريدون من الجمهور أن يصفق فقط، وأن يفرح فقط، وأن يحزن فقط، دون أن يفكر أو يناقش أو يطرح الأسئلة. وكأن المشجع ينبغي أن يترك عقله عند باب الملعب، ويكتفي بعدّ الأهداف.
لا يا سادة…
المشجع اليوم يقرأ الصحافة، ويتابع السياسة، ويعرف الاقتصاد، ويشاهد كيف تتحول الأحداث الرياضية، إلى مناسبات دبلوماسية كبرى. لذلك لم يعد غريبًا أن يربط بين الصورة الكبيرة وبين ما يجري داخل الملاعب، حتى وإن كان الربط يحتاج دائمًا إلى أدلة قبل أن يتحول إلى يقين.
والمفارقة الساخرة أن بعض المسؤولين أنفسهم، يصفون الرياضة بأنها “قوة ناعمة” عندما يريدون الترويج لبلدانهم، ثم يغضبون إذا قال الجمهور إن السياسة قد تلامس الرياضة. فإذا كانت الرياضة قوة ناعمة، فمن الطبيعي أن يطرح الناس أسئلة حول حدود هذا التأثير، لا أن يُطلب منهم التوقف عن التفكير.
لسنا من هواة نظريات المؤامرة، كما لسنا من هواة تصديق كل رواية رسمية دون نقاش. فبين التصديق الأعمى والتشكيك الأعمى مساحة واسعة اسمها التفكير النقدي، وهي مساحة لا ينبغي أن يخجل منها أحد.
ولذلك، فإن احترام الجمهور، يبدأ باحترام عقله. ليس مطلوبًا أن يقتنع بكل تفسير، وليس مطلوبًا أن يرفض كل تفسير، وإنما المطلوب أن يبقى النقاش، قائمًا على الوقائع لا على الانفعالات، وعلى الأسئلة لا على الأحكام المسبقة.
فالرياضة ستظل جميلة عندما يفوز الأفضل، والدبلوماسية ستظل ضرورة بين الدول، لكن الأجمل من ذلك كله، أن يبقى الجمهور قادرًا على السؤال، وقادرًا على التمييز بين الرأي والحقيقة، وبين التحليل والاتهام.
أما الذين يعتقدون أن الجماهير لا ترى إلا الكرة وهي تتدحرج، فقد تأخروا كثيرًا عن فهم زمن، أصبحت فيه المباراة تُقرأ من زوايا متعددة: رياضية، وإعلامية، واقتصادية، ودبلوماسية. والعاقل لا يحول كل مباراة إلى قصة خفية، لكنه أيضًا لا يفترض أن كل ما يحدث في العالم المعاصر، منفصل تمامًا عن المصالح والحسابات.
لهذا، يبقى السؤال مفتوحًا، لا بوصفه حكمًا، بل بوصفه حقًا مشروعًا في النقاش: أين تنتهي الرياضة… وأين تبدأ الدبلوماسية؟
لم يعد أحد صغيرًا، ولم يعد الجمهور، ذلك المتفرج الذي يكتفي بالتصفيق أو إطلاق صافرة الاستهجان. لقد كبر الناس، وتوسعت دوائر معرفتهم، وصارت لديهم قدرة على الربط والتحليل والمقارنة. لذلك، لا تحاولوا إقناعهم، بأنهم لا يرون إلا الكرة وهي تتدحرج فوق العشب. فلستم وحدكم طيورًا فيها، أيها العصافير. فالجمهور أيضًا يحلّق، ويراقب المشهد من أعلى، ويقرأ ما بين السطور، ويعرف أن العالم، لم يعد يُدار بالصدف وحدها، وأن كثيرًا من الرسائل، تُقال أحيانًا بالصورة، وبالمصافحة، وبالابتسامة، أكثر مما تُقال بالتصريحات الرسمية.




