الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تصبح الدورية كابوسًا: الأمن في المغرب من الخوف إلى الأمل المؤجل

ضربة قلم

في بلدان تُحترم فيها الكرامة، يكون لظهور رجال الأمن مفعول المهدئ: أمّ تمر بأمان، عجوز تعبر الطريق مطمئنة، مراهق يُخفض صوت سماعته احترامًا لا رعبًا، وسائق يُصلح وضع حزامه ويبتسم للشرطي بدل أن يُبلل ملابسه من الخوف. الأمن هناك هو الأمان، لا الإنذار.

أما عندنا، فالمشهد مختلف تمامًا.
المغربي حين يصادف دورية أمنية – ولو كان يحمل فقط ديوان شعر وماء زمزم – يختنق داخليًا، وتبدأ السيناريوهات تتناسل في رأسه:
“علاش كيوقفوني؟ واش نسيت شي وثيقة؟ ولا يمكن قال شي حد شي كلمة البارح ودارو بيها تقرير؟”

المصيبة أن هذا الشعور لا يخص أصحاب السوابق، بل يطال الجميع: الطالب، العابر، العريس، والعجوز الباحث عن دوائه. الجميع يشعر لحظة رؤية سيارة الأمن وكأنهم دخلوا منطقة “خطر محتمل”.

في دول تحترم شعوبها، يشعر المواطن أن الشرطة هنا لحمايته، لا للتربص به. أما عندنا، فالشعور السائد هو أنك مُدان حتى تثبت أنك… غير جدير حتى بالإدانة.

وقد يسألك الشرطي بعينين نصف مغلقتين: “فين ماشي؟”
فترد: “كنقلب على الطوبيس”
فيُضيف: “مع من؟”
فتهمس: “مع راسي”… وهنا تنفتح ورقة الأسئلة الفلسفية.

أما إن كنت سكرانًا… فالله يعفّو عليك! لا تحتاج أن تتكلم. الشرطي المغربي يقرأ الكحول في أنفاسك. وقد تُسأل عن تاريخك مع الخمر، أو حتى الأغنية التي كنت تسمعها أثناء الشرب.

وحتى على مستوى الخطاب العام، المواطن ليس محور المعادلة، بل عنصر يجب ضبطه، مراقبته، وشحنه – لا بالطاقة، بل في “السطافيط”. ورغم كل شعارات “شرطة القرب”، لا يرى فيها المواطن إلا مزيدًا من التفتيش العشوائي والأسئلة المريبة.

أما الطمأنينة؟ فهي شعور نادر، لا يناله المغربي إلا في دولة أوروبية أو آسيوية حين يرى شرطيًا يبتسم، فيتمتم داخليًا: “آش داك ترجع؟”.

الخلل ليس في رجال الأمن كأفراد، بل في ثقافة العلاقة بين المواطن والسلطة، حيث تُفترض دومًا نوايا سيئة. العلاقة قائمة على الحذر والخوف، لا الاحترام والثقة.

الأدهى أن المغربي لم يعد يرى في الأمن حماية، بل تهديدًا. وإذا وقع حادث أمامه، يهرب أو يصمت، خوفًا من أن يتحول من شاهد إلى متهم.

ومن هنا، وفي ظل هذا الجفاء، نطرح سؤالًا بديهيًا:
لماذا لا يُحدّث جهاز الأمن المغربي نفسه كما يُطالب المواطنين بتحيين سلوكهم؟
أليس الأجدر أن يُنظّم أيّامًا مفتوحة للتواصل، تعيد بناء جسر الثقة المهترئ؟

نريد شرطة لا يخاف منها الطفل، ولا تهمس الأم لابنها: “هادو البوليس، سدّ فمك!”
نريد يومًا تُوزّع فيه الابتسامات لا الاستدعاءات، تُشرح فيه القوانين لا تُفرض كتهديد، يومًا يُعزف فيه نشيد الوطن لا سيمفونية الريبة.

نريد أمنًا دافئًا، لا باردًا كالأسفلت الذي تُطرح عليه كراماتنا عند كل تفتيش فجائي.
في الدول التي تحترم شعوبها، الحس الأمني ليس كاميرات وقيودًا، بل شعور داخلي بأن القانون في صفك.

فمتى نصل إلى ذلك اليوم؟
ربما فقط حين يؤمن من بيدهم “السلاح والنظام” أن أعظم أمن… هو أن يشعر المواطن بالأمان دون أن يُجبر على ادّعائه تحت الضغط.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.