
ضربة قلم
لم تعد الرشوة مجرد سلوك معزول يُرتكب في الظل، بل تحوّلت في كثير من الحالات، إلى “آلية غير معلنة” لتسيير بعض الخدمات العمومية. تقرير حديث صادر عن Afrobarometer يكشف بوضوح أن الظاهرة، لم تعد هامشية، بل باتت تمسّ قطاعات حساسة، وعلى رأسها الصحة والإدارة.
الأرقام صادمة، ليس فقط لحجمها، بل لما تعكسه من تحوّل في نظرة المواطن إلى المرفق العمومي. فقد أقرّ 37% من المغاربة أنهم اضطروا لدفع رشوة، للحصول على خدمات صحية، بارتفاع ملحوظ بلغ 13 نقطة مئوية. كما صرّح 28% بأنهم دفعوا مقابل الحصول على وثائق إدارية، وهو ما يؤكد أن “الخدمة” لم تعد دائمًا حقًا مضمونًا، بل أحيانًا امتيازًا يُنتزع.
لكن الأخطر من الأرقام هو ما وراءها:
حين يقتنع المواطن أن الرشوة تسرّع المساطر، فإنها تتحول تدريجيًا من استثناء إلى قاعدة. وحين تصبح “المعرفة” أو “الدفع” شرطًا غير معلن، فإن مبدأ تكافؤ الفرص يتآكل بصمت.
في قطاع حيوي كالصحة، لا يتعلق الأمر فقط بفساد إداري، بل بمسألة تمسّ الكرامة الإنسانية. أن يضطر مريض أو أحد أقاربه إلى دفع المال من أجل العلاج، فذلك يضعف الثقة في المؤسسة، ويحوّل الحق في العلاج إلى معاملة تفاوضية.
أما في الإدارة، فإن الرشوة تضرب في العمق فكرة الدولة نفسها:
دولة القانون لا يمكن أن تُختزل في مساطر رسمية موازاةً مع “قنوات خلفية” غير مشروعة.
المفارقة أن هذه المؤشرات، تأتي في سياق يعرف فيه المغرب تحسنًا ملحوظًا في بعض الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، ما يعني أن الإشكال لم يعد دائمًا في توفر الخدمة، بل في كيفية الولوج إليها.
على المستوى الإفريقي، يُظهر التقرير أن الظاهرة أوسع من حدود بلد واحد، حيث يدفع مواطنون في عدة دول رشاوى للحصول على خدمات صحية أو إدارية أو حتى لتفادي مشاكل مع الشرطة. غير أن اتساع الظاهرة لا يبررها، بل يجعل مكافحتها أكثر إلحاحًا.
الخلاصة
الرشوة ليست مجرد مبلغ يُدفع، بل ثمن خفيّ تُؤديه الثقة في المؤسسات.
وكلما ترسّخت، أصبح الإصلاح أصعب… لأن المعركة حينها، لا تكون فقط ضد الفساد، بل ضد الاعتياد عليه.




