الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تصبح المحمدية مدينة للخنازير

ضربة قلم

بداية، نؤكد أننا لا نتحدث عن أولئك “الخنازير”، الذين يعشقون خيرات المحمدية، ويجيدون مص حليبها مصًّا، دون أن يتركوا لأهلها سوى الفتات، وإنما نتحدث عن الخنازير البرية الحقيقية، التي لم تعد تكتفي بالاختباء في الأحراش والمناطق الغابوية، بل أصبحت تتجول في واضحة الليل، وكأنها صاحبة الأرض، تتفقد أحياء المصباحيات، والوادي المالح، والمنطقة الرطبة المجاورة لنادي الغولف، وتتسلل إلى بعض الإقامات السكنية والطرق، غير عابئة بما تخلفه من رعب وقلق في صفوف السكان.

المشهد لم يعد استثنائيا، ولم يعد مجرد فيديو عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى واقع يعيشه سكان هذه المناطق، الذين أصبحوا يخشون الخروج في ساعات الصباح الأولى أو خلال الليل، خوفا من مواجهة غير متوقعة مع حيوان بري قد يكون عدوانيا، إذا شعر بالخطر، خاصة عندما تكون معه صغاره.

والمؤسف أن المدينة التي كانت إلى وقت قريب تعرف بعاصمة الزهور، أصبحت اليوم تتصدر النقاش بسبب انتشار ظواهر غريبة، حتى صار السؤال المطروح بإلحاح: كيف وصلت الخنازير البرية إلى هذا الحد من الجرأة؟ وكيف أصبحت تتجول على مقربة من المنازل، والطرقات، والمرافق العمومية، دون أن يتحرك أحد لمعالجة الوضع؟

إن وجود الخنازير البرية، داخل المجال الحضري، ليس مجرد مشهد مثير للاستغراب، بل هو قضية ترتبط بالسلامة العامة. فهذه الحيوانات، قد تتسبب في حوادث سير خطيرة، خصوصا عندما تعبر الطرق بشكل مفاجئ، كما قد تشكل خطرا على الأطفال والمارة، فضلا عن الأضرار التي تلحقها بالمساحات الخضراء والحدائق والمزروعات.

والغريب أن السكان ظلوا، خلال السنوات الأخيرة، يطلقون النداءات تلو الأخرى، وينشرون الصور ومقاطع الفيديو، ويطالبون الجهات المختصة بالتدخل، لكن الواقع لم يتغير كثيرا، بل إن الظاهرة تبدو، وكأنها في توسع مستمر، حتى أصبحت رؤية الخنزير البري في بعض المناطق أمرا عاديا، بينما غير العادي هو غياب أي خطة واضحة للتعامل مع هذا الوضع.

ومن الطبيعي أن نتساءل: أين هي المصالح المختصة؟ وأين هي الدراسات البيئية التي تفسر هذا التوسع؟ وهل تم القيام بإحصاء حقيقي لأعداد هذه الحيوانات؟ وهل توجد استراتيجية للتعامل معها بطريقة علمية، تحافظ على التوازن البيئي، وفي الوقت نفسه تضمن أمن المواطنين؟

فالخنزير البري ليس مسؤولا عن خروجه من موطنه الطبيعي، بل إن تمدد العمران، وتراجع المجالات الغابوية، ووفرة مصادر الغذاء بالقرب من التجمعات السكنية، كلها عوامل تدفعه إلى الاقتراب أكثر فأكثر من الإنسان. لكن مسؤولية تدبير هذه الظاهرة، تبقى مسؤولية الجهات المعنية، التي يفترض أن تستبق الأخطار بدل انتظار وقوع حوادث، قد تكون عواقبها وخيمة.

وسكان المحمدية لا يطلبون المستحيل، ولا يدعون إلى القضاء على الحياة البرية، وإنما يطالبون فقط بحقهم في الشعور بالأمان داخل أحيائهم، وفي السير في الشوارع دون خوف، وفي حماية أطفالهم من مشاهد، لم يكن أحد يتصور أنها ستصبح جزءا من الحياة اليومية، بمدينة يفترض أنها مدينة سياحية وساحلية.

إن المحمدية تستحق أن تستعيد صورتها الجميلة، وأن تعود مدينة للورود، وللبحر، وللفضاءات الخضراء، لا أن تتحول إلى مدينة تتناقل صفحات التواصل الاجتماعي أخبار الخنازير البرية، وهي تتجول بين الأحياء السكنية، في وقت ينتظر فيه المواطنون حلولا عملية بدل الاكتفاء بمشاهدة المقاطع والتعليق عليها.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابا: هل ستتحرك الجهات المختصة قبل أن يتحول ظهور الخنازير البرية إلى حادث مأساوي، أم أننا سنظل نكتفي بتبادل الفيديوهات، إلى أن يصبح الخبر القادم، أكثر إيلاما من مجرد عبور خنزير لطريق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.