الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تصبح شكاية تبديد المال العام «يتيمة الأب القانوني»

ضربة قلم

يبدو أن المال العام في المغرب، دخل مرحلة جديدة من “الحماية القصوى”، حماية لا تشبه الخزائن الحديدية، ولا أنظمة المراقبة الذكية، بل حماية قانونية من نوع خاص: لا أحد يقترب… إلا بإذن مكتوب ومختوم ومُرفق بتقرير، وربما بكوب قهوة.

آخر فصول هذه الرواية، ما توصلت به الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من مراسلة رسمية صادرة عن الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالرباط، تخبره -بكل لطف قانوني- أن الشكاية التي تقدمت بها حول اختلاس وتبديد أموال عمومية داخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية قد تم حفظها.
ليس لأن الوقائع غير خطيرة، ولا لأن المال تبخر تلقائيًا، بل ببساطة لأن القيد القانوني قال كلمته.

المادة 3: «عفوا… من أنت؟»

المراسلة استندت إلى المادة الثالثة من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وهي مادة يمكن اختصارها شعبيًا في الجملة التالية:

“إذا أردت محاربة الفساد، تفضل بالاصطفاف وانتظر دورك… وربما لا يأتي.”

فوفق هذه المادة، لا يمكن فتح بحث أو تحريك الدعوى العمومية، في الجرائم المرتبطة بالمال العام إلا إذا:

  • تحرك الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض،

  • بعد إحالة من المجلس الأعلى للحسابات،

  • أو بتقرير رسمي من إحدى المفتشيات العامة،

  • أو بإحالة من هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة،

  • أو من جهة أخرى يمنحها القانون هذا “الشرف”.

أما الجمعيات الحقوقية؟
فدورها، حسب القراءة الواقعية، التوعية، القلق، وإصدار البلاغات… لا أكثر.

المال العام… «منطقة محظورة»

بهذا التعديل، لم يعد المال العام مسألة مواطنة، ولا شأنًا يهم المجتمع، بل أصبح ملفًا إداريًا عالي الحساسية، لا يُفتح إلا بمفتاح ذهبي، والمفتاح لا يُسلَّم، إلا بعد سلسلة من الإحالات، التي قد تستغرق من الزمن، أكثر مما استغرق اختفاء المال نفسه.

النتيجة؟
شكاية حقوقية تتحول إلى وثيقة أرشيف،
والفساد -إن وُجد- يحصل على استراحة قانونية،
والجمعيات تُطالب ضمنيًا بالتحلي بالصبر… أو تغيير الموضوع.

حقوقيون يقولون: «كنا نراقب… صرنا نشاهد»

ليس غريبًا إذن أن تثير هذه التعديلات انتقادات حقوقية وجمعوية وسياسية واسعة، واعتُبرت من طرف كثيرين، خطوة تقيّد أدوار المجتمع المدني في حماية المال العام ومحاربة الرشوة.

حتى بعض الهيئات الدستورية -التي لا تُتهم عادة بالمبالغة- أبدت تحفظات واضحة، من بينها:

  • المجلس الوطني لحقوق الإنسان

  • المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

وهي تحفظات يمكن تلخيصها في سؤال بسيط:

إذا لم تراقب الجمعيات، ولم تتحرك المؤسسات، فمن يحرس المال العام؟… المال نفسه؟

وزارة الصحة… بلا تعليق

في هذه الأثناء، تظل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية خارج هذا السجال، لا متهمة ولا مُبرَّأة، فقط اسمٌ ورد في شكاية لم يُسمح لها بالعبور.
فالملف لم يصل إلى مرحلة السؤال، فضلًا عن الجواب.

خلاصة بلا توتر

لا أحد يتهم،
لا أحد يُدان،
لا أحد يُحقق،
والقانون -كما يقول محبوه- طُبق بحذافيره.

لكن السؤال الذي يتسلل بهدوء، دون ضجيج أو اتهام:

هل صرنا أمام قانون يحمي المال العام…
أم أمام مال عام محمي من القانون؟

سؤال مشروع،
ساخر قليلًا،
ومؤلم بقدر ما هو واقعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.