حين تصرخ العدالة… من المحاماة إلى العدول: زمن الإضرابات الكبرى في عهد وهبي

ضربة قلم
لم يعد ما يجري مجرد احتجاجات مهنية عابرة، ولا بيانات تُكتب لرفع العتب، ثم تُطوى في رفوف النسيان. نحن اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخ المهن القانونية بالمغرب، لحظة يمكن وصفها بلا تردد بأنها زمن الإضرابات الكبرى، حيث قررت مكونات أساسية من منظومة العدالة، أن ترفع صوتها دفعة واحدة، بعد سنوات من الانتظار والصمت.
في عهد وزير العدل، لم تعد المحاماة ولا خطة العدالة كما كانتا من قبل. فقد دخلت مهنتان من أعمدة العدالة في دوامة من الاحتقان غير المسبوق، تُرجم على الأرض إلى إضرابات قوية، ممتدة، ومؤثرة، جعلت المواطن العادي يشعر لأول مرة بأن العدالة يمكن أن تتوقف… أو على الأقل تتعثر.
المحاماة… حين يصمت صوت الدفاع
عندما قرر المحامون التوقف عن العمل، لم يكن ذلك مجرد موقف احتجاجي عادي، بل كان رسالة قوية مفادها أن شيئًا ما لم يعد يُحتمل.
المحاكم تأجلت فيها الجلسات، الملفات تراكمت، والمتقاضون وجدوا أنفسهم في مواجهة فراغ قانوني مؤلم. لقد بدا المشهد وكأن “البذلة السوداء” التي ترمز للدفاع والحق، اختارت الصمت… احتجاجًا.
ذلك الإضراب لم يكن فقط بسبب نص قانوني، بل بسبب شعور متنامٍ بأن المهنة لم تعد تُستشار كما يجب، وأن القرارات تُتخذ دون إشراك فعلي لمن يعيشون تفاصيل العدالة يوميًا.
العدول… حين تتوقف الحياة اليومية
وما إن هدأت عاصفة المحامين نسبيًا، حتى جاء الدور على العدول، لكن هذه المرة بوقع أشد وأثر أوسع.
الإضراب الذي يخوضه عدول المغرب اليوم ليس عادياً، بل هو إضراب مفتوح طويل، جاء بعد سلسلة من الخطوات التصعيدية، وكأنه إعلان صريح بأن الصبر قد نفد.
وهنا، لم يعد الأمر يتعلق بمهنة فقط، بل بحياة الناس اليومية:
- عقود الزواج توقفت
- معاملات البيع والشراء تعطلت
- مصالح المواطنين تأجلت
- دواليب إدارية أصابها الشلل
لقد وجد المغاربة أنفسهم أمام واقع غير مألوف: بلد تتعطل فيه العقود، وكأن الزمن القانوني قد توقف.
من الاحتجاج إلى الغضب
لغة العدول لم تعد لغة مطالب هادئة، بل تحولت إلى لغة غاضبة، مشحونة بإحساس عميق بالتهميش.
الحديث لم يعد فقط عن تعديل مواد قانونية، بل عن مسألة كرامة مهنية، وعن دور تاريخي يرون أنه مهدد.
يتحدثون عن قوانين لم تأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتهم، وعن مسار تشريعي يعتبرونه أحاديًا، وعن مستقبل مهنة يرونه غامضًا إن استمر الوضع على ما هو عليه.
ما الذي يجمع بين المحامين والعدول؟
قد يختلف السياق، وقد تختلف التفاصيل، لكن الرسالة واحدة:
هناك خلل في طريقة تدبير الإصلاح داخل قطاع العدالة.
حين يضرب المحامي، فهذا إنذار.
وحين يضرب العدل، فهذا تصعيد.
أما حين يحدث الأمران في نفس المرحلة، فذلك يعني أننا أمام أزمة أعمق من مجرد خلاف حول قانون.
إنها أزمة ثقة…
ثقة بين المشرّع والمهني، بين القرار ومن يُطلب منه تطبيقه.
وهبي… مرحلة تثير الجدل
سواء اتفقنا أو اختلفنا، يبقى أن هذه المرحلة ارتبطت بتحولات كبيرة داخل قطاع العدالة، لكنها أيضًا ارتبطت باحتقان غير مسبوق.
في هذا العهد:
- المحاماة عرفت إضرابًا قويًا
- العدول دخلوا في إضراب مفتوح طويل
- مشاريع قوانين فجّرت نقاشًا حادًا داخل الجسم المهني
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص بقدر ما يتعلق بطريقة تدبير مرحلة حساسة، مرحلة أظهرت أن إصلاح العدالة لا يمكن أن يتم فقط عبر النصوص، بل عبر الحوار الحقيقي مع أهل المهنة.
إلى أين؟
اليوم، ومع استمرار الإضراب المفتوح للعدول، يبقى السؤال معلقًا:
هل سيتم فتح حوار جدي يعيد الأمور إلى نصابها؟
أم أننا مقبلون على مزيد من التصعيد؟
السيناريوهات كلها ممكنة:
- عودة سريعة عبر التوافق
- استمرار الشلل وتأثيره على الاقتصاد والمجتمع
- انتقال العدوى إلى قطاعات قانونية أخرى
كلمة أخيرة
حين يحتج قطاع، يمكن احتواء الأمر.
وحين يغضب قطاعان من صميم العدالة، فذلك ناقوس خطر حقيقي.




