الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعاقتصاد

حين تعترف الحكومة بربّ النقل.. وتنسى ربّ المواطن: دعم على المقاس أم مسكنات ظرفية؟

ضربة قلم

يُحكى في التراث أن فرعون، وهو يواجه لحظاته الأخيرة، لم ينطق بالشهادة الكاملة، بل قال فقط: “آمنت برب موسى”. عبارة ناقصة، جاءت متأخرة، ولم تغيّر شيئًا من مسار طويل من الجبروت والإنكار. هذه القصة، بما تحمله من رمزية، تعود اليوم لتُستحضر في قراءة مشهد اقتصادي مغربي، يتكرر فيه نفس المنطق: الاعتراف الجزئي بالمشكلة… دون الاقتراب من جوهرها.

فالحكومة، التي أعلنت اليوم عن دعم جديد لفائدة مهنيي النقل، تبدو وكأنها تقول: “آمنا بربّ النقل”… لكنها لم تصل بعد إلى قول: “آمنا بربّ المواطن”. فالمبادرة، وإن بدت في ظاهرها استجابة، لارتفاع أسعار المحروقات، إلا أنها تعيد طرح سؤال قديم يتجدد كل مرة: هل الدعم موجّه فعلاً لحماية القدرة الشرائية للمغاربة، أم فقط لضمان استمرار قطاع معين، دون معالجة الخلل البنيوي؟

الإعلان الحكومي، الصادر اليوم، يأتي في سياق دولي يعرف تقلبات حادة في أسعار النفط، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار الوقود داخل المغرب. غير أن هذا “الانعكاس” لا يبدو دائمًا عادلًا أو متوازنًا، إذ ترتفع الأسعار بسرعة قياسية، مع أي زيادة دولية، لكنها لا تنخفض بنفس الوتيرة، حين تهدأ الأسواق. وهنا، تبدأ الشكوك، لا حول الظرفية، بل حول طريقة تدبيرها.

الحكومة، من جهتها، اختارت مرة أخرى نفس الوصفة: دعم مهنيي النقل. خطوة قد تبدو منطقية، لأن هذا القطاع يشكل عصب الاقتصاد، ويرتبط بشكل مباشر بحركة السلع والأشخاص. فارتفاع تكاليف النقل، ينعكس تلقائيًا على أسعار المواد الغذائية والخدمات، وبالتالي على جيب المواطن. لكن، في المقابل، يظل السؤال معلقًا: هل يصل هذا الدعم فعلاً إلى المواطن، أم يتوقف عند حدود المهنيين؟

الواقع يُظهر أن أسعار النقل، لا تنخفض بالضرورة مع تقديم الدعم، كما أن أسعار السلع، لا تتراجع بشكل ملموس. وهنا تكمن المفارقة: الدولة تدعم، والمهني يستفيد، لكن المواطن لا يشعر إلا باستمرار الغلاء. وكأن الدعم يتحول إلى حلقة مغلقة، تدور داخل القطاع نفسه، دون أن تُترجم إلى أثر حقيقي في السوق.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فالنقاش في المغرب، لم يعد فقط حول “من يستفيد من الدعم”، بل أيضًا حول “من يتحمل كلفة الأزمة”. فالمواطن العادي، صاحب السيارة الخاصة، أو العامل الذي يعتمد على تنقل يومي، يجد نفسه، خارج كل معادلات الدعم. يدفع ثمن الوقود كاملاً، ويتحمل زيادات النقل، ويواجه ارتفاع الأسعار، دون أن يكون له، أي نصيب من هذه الإجراءات “الاستثنائية”.

وفي خلفية هذا المشهد، يبرز عنصر آخر لا يقل أهمية: بنية سوق المحروقات نفسها. فبعد تحرير الأسعار، أصبح تحديد الأثمان خاضعًا لمنطق السوق، لكن هذا السوق، في نظر كثيرين، لا يخضع دائمًا لقواعد المنافسة الشفافة. وهو ما يجعل أي دعم حكومي، يبدو وكأنه يعالج النتائج، دون الاقتراب من الأسباب الحقيقية.

الحكومة تبرر قراراتها الممولة من أموال الشعب، بالحفاظ على استمرارية الخدمات وضمان تموين الأسواق، وهي أهداف لا يمكن إنكار أهميتها. لكن، في المقابل، يظل الإحساس العام، لدى فئات واسعة من المغاربة، أن هذه السياسات تفتقر إلى العدالة في التوزيع، وأنها تميل إلى دعم الفاعلين المنظمين، والقادرين على الضغط، أكثر من دعم المواطن البسيط الذي لا يملك سوى الصمت.

وهنا تعود رمزية “فرعون” مرة أخرى: الاعتراف المتأخر، والجزئي، لا يكفي. فالأزمات الاقتصادية، لا تُحل بنصف حلول، ولا تُواجه بإجراءات ظرفية فقط. بل تحتاج إلى رؤية شاملة، تُوازن بين دعم القطاعات الحيوية، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان شفافية السوق.

في النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
إذا كانت الحكومة، قد قررت دعم مهنيي النقل، لتفادي انعكاس ارتفاع المحروقات على المواطن… فمن سيدعم المواطن نفسه، حين يصبح هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.