فن وثقافة

حين تمرّ الأرواح كما تمرّ الفصول

م-ص

ليست كل اللقاءات تُشبه المواعيد. بعضها يحدث كالمطر، دون إنذار، دون رسالة، دون نداء. تأتيك الروح غريبة، تقترب كأنها تعرفك منذ أول وجع، ثم تمضي كما جاءت، تاركة وراءها بللاً في الذاكرة، وظلاً لا يجفّ.

نقابل أناسًا لا نعرف كيف دخلوا حياتنا. لم يقرعوا باب القلب بل تسللوا إليه خلسة، كنسمةٍ في ظهيرة خانقة، أو كلمحة حلم في عزّ يقظة. نحبّهم بلا سبب، نأنس بهم بلا شروط، ونتعلّق بهم كما تتعلّق الشجرة بضوء الغروب، تعرف أنه راحل، ومع ذلك تُضيء له كل أغصانها.

ثم، كما تفعل الفصول، يمضون.
يمضون في اللحظة التي نظنّ أنهم استقرّوا، في اللحظة التي أعدّت فيها الروح لهم مقعدًا دائمًا، ووشّحت المكان بضحكاتهم، وعلّقت في الزوايا ملامحهم، كما تُعلّق الزينة في الأعياد.
يمضون… لأنهم ببساطة لم يأتوا ليبقوا، بل ليذكّرونا أننا قابلون للحياة، وأن القلب لا يزال يعرف كيف يزهر ولو لموسم واحد.

نظل بعدهم كما تكون الأرض بعد الخريف، نعرف أن شيئًا قد تساقط، أن ما عاد لن يعود، وأن الوقت وحده من يعرف كيف يُرمّم داخلك دون أن يُشعرك.
نشتاق لهم، لكننا لا نعاتب، لا نصرخ، لا نطالب بالعودة. لأن من كان ربيعًا في حياتك، لا يصح أن تُحمّله ذنب الشتاء.

بعض الناس هكذا:
لا يُشبهون الغياب، حتى حين يغيبون.
يتركون فيك أثراً أجمل من الحضور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.