الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

حين تنتصر الحقائق بصمت.. هل حان الوقت أن يتكلم المغرب؟

محمد سلاوي/ دبلوماسي سابق

رغم الطموحات الكبرى والإنجازات الملموسة، التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، يظل حضوره الدبلوماسي محاطًا بصمت، يكاد يكون لافتًا للانتباه. صمتٌ لا يعكس ضعفًا بقدر ما يعكس اختيارًا، لكنه في عالم اليوم -حيث لا تكفي الحقائق وحدها- قد يتحول إلى عبء أكثر منه قوة.

فالدبلوماسية المغربية، بما تحمله من رصانة وهدوء، تبدو في كثير من الأحيان، وكأنها تكتفي بالعمل في الكواليس، تاركة الوقائع تتحدث عن نفسها. غير أن هذا “الرهان على الصمت” لم يعد كافيًا في زمن تصنع فيه الروايات، بقدر ما تُبنى فيه الحقائق. فالحقيقة، مهما كانت صلبة، تحتاج إلى صوت يحميها من التلاشي وسط ضجيج السرديات المتضاربة.

خذوا مثالًا وكالة المغرب العربي للأنباء، التي كانت في مراحل سابقة، أكثر حضورًا وجرأة في نقل المواقف وصياغة السردية الوطنية. اليوم، تبدو في موقع رد الفعل أكثر من المبادرة، وهو ما يعكس، بشكل أو بآخر، توجّهًا عامًا يشمل فاعلين آخرين: منظمات غير حكومية، جامعات، ومراكز بحث، جميعها تملك أدوات التأثير، لكنها لا تستثمرها بالقدر الكافي. وكأننا أمام طاقات كامنة، تنتظر فقط من يوقظها لتتحول إلى قوة ناعمة حقيقية.

في المقابل، لا يتردد الطرف الآخر -وخاصة الآلة الإعلامية والدبلوماسية الجزائرية- في ملء الفراغ، عبر خطاب يقوم على التكرار والاستمرارية، حتى وإن افتقر في كثير من الأحيان إلى المصداقية. إنها ليست قوة مضمون، بقدر ما هي قوة حضور؛ تكرار الفكرة يجعلها مألوفة، والمألوف يتحول تدريجيًا إلى “حقيقة” في أذهان المتلقين، حتى وإن كانت في الأصل رواية منقوصة أو منحازة.

ومع ذلك، فإن الواقع لا يمكن إنكاره. فبعيدًا عن الأضواء، تقود المؤسسة الملكية، عملاً دبلوماسيًا عميقًا، هادئًا لكنه بالغ الفعالية. هذا العمل تُرجم إلى مكاسب استراتيجية كبرى، لعل أبرزها التقدم المتواصل في الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء. لم تكن هذه التحولات نتيجة صدفة، بل ثمرة نفس طويل، ورؤية استراتيجية تقوم على بناء الثقة، وتعزيز الشراكات، بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية.

لقد شهدت مواقف قوى دولية وازنة، مثل فرنسا والولايات المتحدة، تحولات حاسمة، فيما بدأت دول أخرى، كـمالي وكينيا، مراجعة مواقفها في اتجاه دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي. وهي تحولات ليست عابرة، بل تعكس تغيرًا تدريجيًا في موازين القوى لصالح المغرب، وتؤشر على أن العمل الصامت، يمكن أن يحقق نتائج صلبة… لكن بشرط أن يُواكب بسردية تليق به.

لكن هنا يبرز التناقض الكبير: هذه الانتصارات موجودة… لكنها لا تُروى كما ينبغي. بل إن بعضها يمر مرور الكرام في الفضاء الإعلامي الدولي، وكأن المغرب يحقق إنجازاته لنفسه فقط، دون أن يسعى لتحويلها إلى رأسمال رمزي، يعزز صورته وموقعه.

حتى في قضايا تبدو ثانوية، مثل بعض النزاعات الرياضية، يظهر هذا الخلل بوضوح. فبينما يحرص الطرف الآخر على استثمار كل مناسبة -مهما كانت صغيرة- لطرح روايته، يظل المغرب في موقع المتفرج، رغم امتلاكه للحجج والشرعية. وهنا يكمن الخطر: ترك الفراغ يعني السماح للآخرين بملئه، وفق رؤيتهم هم، لا وفق الحقيقة.

لفهم أعمق لهذا المشهد، لا بد من التوقف عند الخلفية، التي تحكم السلوك الجزائري، حيث تستند العقيدة الرسمية -ولو شكليًا- إلى شعارات قديمة، تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، مثل “محاربة الإرهاب” و“حق تقرير المصير”. هذه المرجعيات، التي فقدت جزءًا كبيرًا من راهنيتها، ما تزال تُستعمل كغطاء لسياسات مكلفة، يُقال إن مئات المليارات من الدولارات، صُرفت في سبيلها، دون أفق حقيقي للحسم.

وفي ظل ارتفاع أسعار النفط، تبرز مخاوف من أن تُستعمل هذه الموارد مجددًا لإطالة أمد هذا الصراع، لا خدمةً للشعوب، بل استمرارًا لمنطق المواجهة. وهو منطق لا ينتج حلولًا، بل يعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، ويؤجل الحسم بدل أن يقربه.

ورغم كل ذلك، يحتفظ المغرب بعناصر القوة الأساسية: شرعية موقفه، تزايد الاعتراف الدولي به، وتحالفات متينة تعزز موقعه. غير أن هذه العوامل، على أهميتها، قد لا تكون كافية، إذا لم تُواكب بسردية واضحة وقوية. فالعالم اليوم، لا يكتفي بما هو صحيح، بل يهتم أيضًا بكيفية تقديمه.

ففي عالم اليوم، الانتصار الذي لا يُروى يظل ناقصًا، والدبلوماسية، التي لا تُشرح قد تفقد جزءًا من تأثيرها. من هنا، لم يعد التحدي المغربي دبلوماسيًا فقط، بل أصبح أيضًا تواصليًا وسرديًا بامتياز.

المطلوب اليوم ليس التخلي عن الدبلوماسية الهادئة، بل استكمالها بدبلوماسية موازية: دبلوماسية الكلمة، والصورة، والتأثير. دبلوماسية، تنخرط فيها الجامعات، والإعلام، والنخب، وتُوظف فيها كل الأدوات المتاحة لشرح الموقف المغربي والدفاع عنه، بل وتبسيطه أيضًا للرأي العام الدولي، الذي لا يتابع التفاصيل بقدر ما يتأثر بالصورة العامة.

وفي هذا السياق، لم يعد كافيًا الاكتفاء بتسجيل النقاط، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة الحسم:

لقد أضحى لزامًا اليوم تثمين هذه الدينامية الإيجابية، التي تصب في مصلحة القضية الوطنية، ليس فقط باعتبارها مكاسب ظرفية، بل كرافعة استراتيجية يجب استثمارها إلى أقصى حد، من أجل طي هذا الملف، الذي عمر لأزيد من نصف قرن، طيًّا نهائيًا لا يترك مجالًا للعودة إلى الوراء.

ذلك أن خصوم المغرب، وإن بدت مواقفهم متآكلة، لا يترددون في استغلال أدق الثغرات، مهما صغرت، لإعادة بعث نزاع كان يفترض أن يُحسم منذ زمن. فهم لا يراهنون على قوة الطرح بقدر ما يراهنون على طول النفس، وعلى استنزاف الزمن، وعلى إبقاء الملف مفتوحًا كأداة ضغط دائمة.

ومن هنا، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بردود الفعل، بل بات من الضروري اعتماد منطق المبادرة، واستباق تحركات الخصوم، والعمل على فرض واقع دولي شبه محسوم، يجعل أي محاولة للارتداد إلى الخلف، مجرد جهد معزول لا تأثير له. واقع يُبنى بالاعترافات المتتالية، وبالتحالفات المتينة، وبحضور قوي في الفضاءات الإعلامية والسياسية الدولية.

كما أن الرهان، لم يعد فقط سياسيًا أو دبلوماسيًا، بل هو أيضًا رهان زمني وتاريخي. فإما أن يُحسم هذا الملف اليوم بإرادة قوية واستثمار ذكي للظرفية الدولية، أو يُترك مفتوحًا ليرثه جيل جديد، بنفس التعقيدات، ونفس الاستنزاف، ونفس الكلفة.

من هذا المنطلق، يصبح من الضروري العمل على ألا ترث الأجيال القادمة، هذا الملف لخمسين سنة أخرى. فالقضايا العادلة لا يكفي أن تبقى كذلك، بل يجب أن تُحسم في وقت معقول وبالوسائل المناسبة.

لذلك يطرح السؤال: هل حان الوقت ليعزز المغرب حضوره التواصلي ويدافع عن روايته بنفس القوة التي يدافع بها عن مواقفه على أرض الواقع؟

أم أن الاستمرار في نهج الدبلوماسية الهادئة يظل الخيار الأنسب في ظل عالم مليء بالضجيج؟

النقاش يبقى مفتوحًا، لأن التحدي اليوم لا يتعلق فقط بامتلاك الحقيقة، بل أيضًا بكيفية تقديمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.