
محمد الفضالي
في ذاكرة الوطن، كانت هناك وردة. لم تكن وردةً عادية تُقطف وتُهدى ثم تُنسى، بل كانت وردة تنبت من قلب الأرض، من عمق الجراح، من صرخة عامل، ودمعة أرملة، وحنين وطن يتوق للعدل.
كانت وردة الوطن لا تذبل، لأنها كانت تُسقى بدماء الشهداء، وتُغذّى بأحلام المعذبين في الأرض. لم تكن مجرد شعار مطبوع على منشور حزبي، بل كانت نبضًا حيًا في مسيرات الكادحين، وهتافًا في ساحات النضال، ودفتر أمل يخطه الطلبة والشباب في جدران الجامعات.
لكنها انحنت.
ليس لأن العاصفة كانت أقوى، بل لأن الجذور بدأت تنسى التربة التي أنبتتها. لم يعد هناك مَن يسقيها إلا بالوعود، ولا مَن يلمّ أوراقها المتساقطة إلا في مواسم الانتخابات.
حين يبهت لون الوردة، لا يكون الخطر في تغير الطقس، بل في تغير النفوس. النفوس التي اعتادت على الدفء، فرفضت الخروج للبرد مرة أخرى. النفوس التي أرادت أن ترتاح على أريكة الحكم، بدلًا من الجلوس على أرصفة الانتظار مع الشعب.
اليوم، نرى الحزب الذي دوّى باسمه التاريخ، يتحول إلى عنوان جانبي في صحيفة، إلى رقم في استحقاقات لا تستحق، إلى صوت خافت في قاعة تُصفق لاختيارات لا تُشبهه. تحوّل الحلم إلى بروتوكول، وتحول الشعار إلى واجهة مطلية بلون قديم لا يلمع إلا حين تشتد الحاجة لتبرير البقاء.
أين ذهبت تلك الكلمات التي كانت تُشعل القلوب؟
أين ذهب أولئك الذين قالوا لنا إن السياسة شرف؟
أين المهدي، أين عمر، أين عبد الرحيم…؟ ليسوا فقط أسماء، بل كانوا وجوهًا تشبهنا، وضمائر كانت تنام على الأرض لأن السقف لا يكفي الجميع.
اليوم، لم تعد الوردة تفتح ذراعيها للهواء. صارت حبيسة مزهرية في مكتب مكيف، لا ترى النور، ولا تسمع همسات الحقول. صارت جزءًا من ديكور سياسي، لا من معركة وطنية.
وما أقسى أن تتحول فكرة عظيمة إلى ظِلّها.
المشهد ليس مأساويًا فقط، بل مربكًا. لأننا لا نعرف كيف نرثي فكرة ما تزال تمشي، لكنها بلا روح. كيف ندفن حزبًا لم يمت رسميًا، لكنه فقد الحياة التي كانت فيه. كيف نُقنع جيلًا جديدًا أن السياسة ليست كلها خيبة، إذا كان أكثر أحلامنا صدقًا قد تكسّر على أعتاب المكاتب المذهّبة.
نحن لا نجلد أحدًا، ولا نبحث عن عدو خارجي نعلّق عليه الخيبة. بل نقف أمام المرآة، ننظر في أعيننا، ونسأل أنفسنا: متى انكسر الحلم؟ من أول من غيّر اتجاهه؟ من آخر من صمت؟
ليتهم لم يقولوا لنا إن الوردة خالدة.
ليتهم قالوا لنا إنها تحتاج من يسقيها كل يوم بالصدق.
ليتهم لم يجعلونا نؤمن، ثم تركونا في العراء بلا تفسير، ولا حتى اعتذار.




