حين تنقلب ممرات الراجلين… هل فقد مجلس المحمدية البوصلة أم أن الصباغة وحدها أصيبت بالدوار؟

ضربة قلم
مرة أخرى، تعود مدينة المحمدية، لتقدم نموذجًا غريبًا، في تدبير الشأن المحلي، نموذجًا يصل أحيانًا إلى درجة العبث الإداري، الذي يصعب تفسيره بأي منطق هندسي أو قانوني. فالمجلس الجماعي، الذي يبدو أنه ما زال يبحث عن برنامج عمل حقيقي يليق بمدينة بحجم وتاريخ المحمدية، يقدم بين الفينة والأخرى، مشاهد تدعو للاستغراب أكثر، مما تدعو للإعجاب.
آخر هذه المشاهد يتجلى في الأشغال التي عرفتها بعض شوارع المدينة، ضمن عمليات إعادة التهيئة، وهي الأشغال التي يفترض نظريًا أنها تتم تحت مراقبة مستمرة من طرف الجماعة ومنتخبيها. لكن الواقع يكشف أن المراقبة، إن وُجدت فعلًا، كانت على ما يبدو مراقبة بلا بوصلة.
فكيف يمكن تفسير وضع علامات التشوير الأرضية – خصوصًا الخطوط البيضاء وممرات الراجلين – بشكل مقلوب؟
نعم، مقلوب. إشارات يفترض أن تكون واضحة، وموجهة لتنظيم حركة السير ،وتنبيه السائقين والراجلين، لكنها تحولت إلى لغز بصري لا يفهمه لا السائق ولا الراجل.
في كل مدن العالم، وحتى في أبسط القرى، تُعد ممرات الراجلين من أبسط عناصر السلامة الطرقية، لأنها تساعد على تنظيم المرور وحماية المشاة، والتقليل من الحوادث. ويكفي طلاء واضح بجودة جيدة، حتى تقوم هذه الممرات بدورها في تنظيم السير والجولان داخل المدن.
لكن في المحمدية يبدو أن الأمر مختلف.
فالخطوط التي يفترض أن تحذر السائقين وتوجههم، أصبحت وكأنها رسمت بلا تدقيق أو فهم للمعايير التقنية. وهو ما يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه محرج:
من راقب الأشغال؟
ومن صادق على هذه الصباغة؟
ومن استلمها رسميًا باسم الجماعة؟
الأمر لا يتعلق بجمالية المدينة فقط، بل بسلامة المواطنين. فاختفاء أو سوء رسم ممرات الراجلين، يمكن أن يشكل خطرًا حقيقيًا على المشاة، خاصة الأطفال والتلاميذ الذين يعتمدون عليها لعبور الطريق بأمان.
وإذا كان من الطبيعي أن تعرف المدن أشغال تهيئة، فمن غير الطبيعي أن تتحول هذه الأشغال، إلى مادة للسخرية في الشارع. فالمواطن الذي يرى خطوط الطريق، أي الإشارات البيضاء مقلوبة سيطرح سؤالًا بسيطًا:
هل نحن أمام مشروع تهيئة أم تجربة في فن العبث الحضري؟
المفارقة أن هذه الأشغال لا تتم في الخفاء، بل في وضح النهار، وأمام أعين المنتخبين والمسؤولين المحليين. ومع ذلك تمر الأخطاء، كما لو أنها تفاصيل عادية، رغم أنها تمس أبسط قواعد الهندسة الطرقية.
إن ما يحدث في بعض شوارع المحمدية يكشف، مرة أخرى، مشكلة أعمق من مجرد صباغة مقلوبة. إنه يعكس خللًا في منهجية تدبير الأشغال العمومية:
-
غياب مراقبة تقنية صارمة
-
ضعف تتبع المشاريع
-
وربما، وهذا الأخطر، التساهل في تسلم الأشغال رغم وجود عيوب واضحة.
مدينة المحمدية، التي كانت يومًا تُلقب بـ“مدينة الزهور”، لا تستحق أن تتحول إلى مختبر لأخطاء التهيئة الحضرية. فالشوارع ليست مجرد إسفلت وصباغة، بل هي فضاء للحياة اليومية، يمشي فيه الأطفال، ويعبره العمال، وتتحرك فيه آلاف السيارات.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم، ليس لماذا انقلبت ممرات الراجلين، بل:
هل ما زال المجلس الجماعي يقود المدينة… أم أن المدينة هي التي أصبحت تقود أخطاء المجلس؟
فالمدينة لا تحتاج إلى صباغة جديدة فقط، بل تحتاج قبل ذلك إلى بوصلة في التدبير، ورؤية في العمل، واحترام لعقل المواطن.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى المشهد في بعض شوارع المحمدية، بسيطًا ومعبّرًا في آن واحد:
إشارات بيضاء… لكنها تسير في الاتجاه الخطأ.




