
ضربة قلم
أحيانًا تشاهد فيلمًا أمريكيًا، ولا تدري كيف استطاع أن يفعل بك كل ذلك.
تجلس أمام الشاشة، وأنت تنوي أن تشاهد ساعتين من التسلية، فإذا بك بعد عشرين دقيقة، وقد دخلت في حياة أشخاص لا تعرفهم، وبدأت تحب من يحبون، وتكره من يكرهون، وتحزن لخسارتهم، وتفرح بانتصارهم، وربما تنظر إلى الساعة، فتكتشف أن الفيلم انتهى، وأنت لم تشعر بالوقت.
قد يكون الفيلم عن الحب.
وقد يكون عن الخيانة.
عن رجل، فقد كل شيء، ثم قرر أن يبدأ من جديد.
عن امرأة، غيرت حياتها بعد سنوات من الألم.
عن جدّ يكتشف متأخرًا أن المال، لم يكن يومًا بديلًا عن العائلة.
عن شاب كسول، يقرر أن يصبح مجتهدًا.
عن إنسان فشل عشر مرات، ثم نجح في المرة الحادية عشرة.
وهنا تكمن قوة السينما.
إنها لا تحكي لك القصة فقط… بل تجعلك تعيشها.
تضحك مع الشخصيات.
تبكي معها.
تغضب.
تتعلق.
ثم ينتهي الفيلم، وتبقى بعض مشاهده، عالقة في رأسك.
وربما تقول:
“كيفاش دارو هاد الفيلم؟”
والجواب في جزء منه هو الاحتراف.
سيناريو.
إخراج.
تمثيل.
تصوير.
موسيقى.
إضاءة.
وممثل يستطيع أن يجعلك، تصدق أنه يعيش ما يفعله أمامك.
لكن هنا بالضبط، تبدأ المفارقة.
لأن الشاشة شيء…
وما خلف الشاشة شيء آخر.
وراء هوليوود أيضًا بشر… والبشر ليسوا ملائكة
لا ينبغي أن نكون ساذجين، ونعتقد أن الصناعة الأمريكية خالية من الانحرافات.
طبعًا لا.
هوليوود، مثل أي مجال بشري، عرفت فضائح واستغلالًا وتحـرشًا واختلالًا في موازين القوة، وظهرت عبر السنوات قضايا وشهادات، جعلت العالم يكتشف أن وراء بعض البريق أحيانًا قصصًا مظلمة.
وهذا أمر طبيعي، من حيث المبدأ.
لأن الإنسان، هو الإنسان.
وحيث توجد الشهرة والمال والسلطة، يمكن أن توجد أيضًا إساءة استعمال السلطة.
لكن هناك فرقًا، يجب ألا نهرب منه:
عندما تقع مشكلة في منظومة ما، فإن السؤال يصبح: كيف تتعامل المنظومة معها؟
هل توجد آليات للتبليغ؟
هل توجد مؤسسات مهنية؟
هل توجد صحافة، تستطيع التحقيق؟
هل يمكن للضحية أن تتحدث؟
هل يمكن للمجتمع أن يناقش القضية؟
هل يمكن أن تتحول الفضائح، إلى ضغط يؤدي إلى إصلاح؟
هذه هي الأسئلة المهمة.
لكن دعونا نترك أمريكا للحظة… ونعود إلى المغرب
لأن المفارقة الحقيقية، تبدأ هنا.
نحن كمغاربة، نشاهد الفيلم الأمريكي، فنرى كيف استطاع الممثل أن يجسد الخيانة، حتى نكاد نكرهه.
ونرى كيف استطاعت الممثلة، أن تؤدي دور المرأة المكسورة، حتى نتألم من أجلها.
ونرى المخرج، يضع الكاميرا في المكان المناسب.
والموسيقى، تأتي في اللحظة المناسبة.
والإضاءة تقول شيئًا.
والصمت يقول شيئًا آخر.
ثم ننظر إلى واقعنا الفني، فنكتشف أن وراء بعض الأضواء، حكايات أخرى تُروى في الكواليس، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا لا نتحدث عن الفن المغربي كله.
ولا عن المخرجين جميعًا.
ولا عن الممثلات جميعًا.
بل عن بعض الممارسات التي تُثار حولها اتهامات وشهادات وروايات، والتي تستحق أن تُناقش بجدية، بدل أن تُدفن تحت السجاد الأحمر.
المشكلة تبدأ عندما لا يعود السؤال: من الأفضل للدور؟
في الفن الحقيقي، السؤال بسيط:
من الأفضل للدور؟
لكن تخيلوا أن يتحول السؤال إلى:
من الأكثر استعدادًا لقبول شروط لا علاقة لها بالدور؟
هنا نحن أمام انقلاب كامل في المعايير.
الممثلة قد تكون موهوبة.
قد تكون مثقفة.
قد تكون درست المسرح.
قد تكون تدربت سنوات.
قد تكون قادرة، على أداء الشخصية بشكل مذهل.
لكن بدل أن يتم اختبار قدرتها أمام الكاميرا، قد تجد نفسها أمام اختبار آخر لا علاقة له بالسيناريو.
وهنا يصبح الأمر مأساويًا.
لأن فتاة جاءت تبحث عن دور تمثله، قد تجد نفسها مطالبة بأن تلعب دورًا في لعبة أخرى.
وهذا هو الشيء الذي لا يمكن أن نقبله باسم الفن.
يا سلام على “الاحترافية” عندما تصبح الكرامة هي الثمن!
كم هي جميلة بعض الكلمات، عندما نضعها في غير مكانها!
“الاحترافية.”
“الجرأة.”
“التحرر.”
“العلاقات.”
“الوسط الفني.”
كلمات كبيرة.
لكن ماذا يحدث، عندما يستخدمها شخص صاحب سلطة، ليبرر طلبًا شخصيًا، من فنانة تبحث عن فرصة؟
هنا يصبح الأمر، مثل مطعم يضع على الباب:
“ممنوع إدخال الأكل من الخارج.”
ثم عندما تدخل، تكتشف أن عليك أن تترك عقلك عند الباب أيضًا!
السخرية هنا، ليست من الفن.
السخرية من أولئك، الذين يريدون تحويل الفن إلى شيء آخر، ثم يطلبون منا أن نصفق لهم لأنهم “حداثيون”.
الممثلة المغربية ليست مشروع علاقة شخصية
وهذه نقطة، لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة.
الممثلة جاءت لتُمثل.
والمخرج جاء ليخرج.
والمنتج جاء لينتج.
والكاتب جاء ليكتب.
والتقني جاء ليصور.
فإذا دخلت العلاقات الشخصية أو الجنسية في عملية منح الأدوار، فإننا نكون قد خرجنا من المجال المهني إلى منطقة أخرى تمامًا.
وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات في حالات معينة، فليس من المنطقي أن نبحث عن الأعذار.
لأن السلطة المهنية، عندما تتحول إلى أداة ضغط على شخص يحتاج إلى العمل، تصبح المشكلة أكبر من مجرد “تصرف شخصي”.
والأغرب أن بعض الناس يريدون منك أن تصدق أن هذا جزء من اللعبة!
هنا نصل إلى أكثر المراحل عبثًا.
قد يقول لك أحدهم:
“راه هادي هي الدنيا.”
وكأن الابتزاز، أصبح قانونًا طبيعيًا من قوانين الفيزياء!
وقد يقول آخر:
“اللي بغا يدخل للفن خاصو يعرف كيفاش كيدور المجال.”
يعني باختصار:
إذا أردت أن تصبح فنانًا، تعلم أولًا كيف تتعامل، مع من يريد استغلالك!
يا لها من مدرسة!
بدل أن نعلّم الفنان، كيف يؤدي الدور، نعلمه كيف ينجو من الكواليس!
وهنا تظهر المفارقة المغربية
في الأفلام، نتحدث عن تغيير الحياة.
في الأفلام، نحتفل بالنجاح بعد الفشل.
في الأفلام، تكون الشخصية القوية، هي التي ترفض الخضوع.
في الأفلام، نحب البطلة لأنها قالت:
“لا.”
لكن في الواقع، قد تجد من يريد من الممثلة أن تقول:
“نعم”
حتى تحصل على الدور!
يا لها من مفارقة!
نصفق للبطلة الأمريكية، لأنها قاومت الاستغلال في السيناريو، ثم نطلب من البطلة المغربية، أن تصمت عن الاستغلال، إن وقع خلف الكاميرا!
هنا يجب أن نسأل أنفسنا:
أين ذهب كل ذلك الوعي الذي نتعلمه من الأفلام؟
وهل كل الممثلات يقبلن؟ بالطبع لا
وهذا يجب أن يكون واضحًا.
هناك ممثلات مغربيات محترمات، موهوبات، رفضن أن يكون طريقهن إلى النجاح، عبر أي مساومة تمس كرامتهن.
هناك من فضلن، دورًا صغيرًا على بطولة مشروطة.
وهناك من تحملن التهميش، بدل أن يقبلن بما لا يليق.
وهؤلاء لا يحتجن، إلى دفاعنا، بقدر ما يحتجن إلى تقديرنا.
لأن النجاح الذي يأتي بعد التنازل عن الذات، قد يكون شهرة…
لكنه ليس بالضرورة نجاحًا.
ولا كل المخرجين كذلك
كما لا يجوز أن ننزلق إلى التعميم.
هناك مخرجون مغاربة محترمون.
هناك من يشتغلون على مشاريعهم بجدية.
هناك من يبحثون فعلًا عن الموهبة.
هناك من يعتبرون الفنان، شريكًا وليس فريسة.
وهؤلاء، يجب أن نفرق بينهم وبين أي شخص يستغل سلطته.
لأننا إذا عممنا الاتهام، ظلمنا الأبرياء وأضعفنا القضية نفسها.
لكن الانحراف، إذا وُجد، لا يصبح أقل خطورة، لأنه داخل الفن
بل ربما يصبح أكثر خطورة.
لأن الفنان أو المخرج يمتلك سلطة رمزية.
والشخص الذي يملك فرصة العمل يملك، في بعض الحالات، قدرة على التأثير في مستقبل شخص آخر.
وهنا يجب أن تكون الحدود واضحة.
الدور مقابل الموهبة.
الأجر مقابل العمل.
النجاح مقابل الاجتهاد.
أما تحويل الفرصة المهنية، إلى مقابل لعلاقة شخصية أو جنسية، إن ثبت، فهو ليس “كواليس الفن”.
إنه استغلال يجب رفضه ومواجهته وفق القانون.
والسؤال الذي يوجع أكثر: لماذا قد تصمت الضحية؟
لأنها تعرف أن المجتمع قد يسألها:
أين الدليل؟
لماذا ذهبت؟
لماذا لم تشتكِ؟
لماذا سكتِ؟
لماذا عدتِ للعمل معه؟
وكل هذه الأسئلة، قد تجعل الضحية تشعر أنها هي المتهمة.
ولهذا، فإن أي نقاش مسؤول حول هذه القضايا، يجب ألا يكون قائمًا على التشهير أو الفضول.
بل على:
الحماية، والتحقق، والمسؤولية.
الفن المغربي لا يحتاج إلى فضائح… يحتاج إلى تنظيف الكواليس
الفن المغربي لا ينقصه الموهوبون.
ينقصه أحيانًا، أن تكون القواعد واضحة للجميع.
أن يعرف المخرج، أن سلطته ليست مطلقة.
أن تعرف الممثلة، أن رفضها، لا يجب أن يعني نهاية مستقبلها.
أن تكون هناك آليات آمنة للتبليغ.
أن تكون هناك حماية حقيقية، لمن يتقدم بشكوى جدية.
وأن يكون هناك فرق واضح بين:
النقد الفني
و
الابتزاز الشخصي.
وفي النهاية…
عندما نشاهد فيلمًا أمريكيًا رائعًا، قد نبكي لأن شخصية خُذلت.
وقد نفرح، لأن شخصية قاومت.
وقد نتأثر لأن إنسانًا، بدأ حياته من جديد بعد سقوط كبير.
لكن علينا أن نتذكر، أن السينما في النهاية صورة للحياة.
والحياة فيها الجميل والقبيح.
فيها الفن الحقيقي.
وفيها أيضًا، من يحاول استغلال الفن لمصالح أخرى.
أمريكا ليست جنة، وهوليوود ليست مدينة الملائكة.
لكن المغرب، أيضًا ليس مضطرًا إلى تقليد أسوأ ما في أي صناعة فنية أخرى.
بل عليه أن يبني فنًا مغربيًا، يحترم الموهبة والكرامة معًا.
لأننا، لا نريد أن تصبح الممثلة المغربية أمام الكاميرا:
وهنا تكون المفارقة مؤلمة إلى درجة السخرية.
نحن نشتري تذكرة، أو نفتح شاشة لنرى قصة عن امرأة، ترفض أن تُستغل.
ثم نكتشف أن السؤال الحقيقي ليس:
كيف أُتقنت الشخصية؟
بل:
هل كانت صاحبة الشخصية في الواقع آمنة أصلًا؟
وهذا سؤال، لا يجب أن نخاف منه.
ولا ينبغي أن ندفنه، تحت الماكياج.
ولا تحت الأضواء.
ولا تحت التصريحات الجميلة عن الحداثة.
لأن الفن الذي لا يحترم الإنسان في الكواليس، مهما كان جميلًا على الشاشة، يبقى ناقصًا في مكان ما.
والفن المغربي يستحق أن يكون أكبر من أي نزوة، وأكبر من أي مخرج، يستعمل سلطته بطريقة منحرفة، وأكبر من أي مساومة تحت الطاولة.
فالموهبة لا تحتاج إلى سرير كي تصل إلى الشاشة.
تحتاج إلى فرصة.
والفرصة العادلة، لا تُمنح مقابل الجسد.
تُمنح مقابل القدرة على صناعة الفن.
وهنا بالضبط يبدأ الفرق بين الفنان الذي يصنع النجوم، والشخص الذي يصنع ضحايا خلف الستار.




