الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تُربّي الشعوب أبناءها على الطاعة… وتشتكي من الاستبداد!

ضربة قلم

في خضم الأزمات التي تعانيها الشعوب المتخلفة، من فقر وبطالة وفساد وتبعية وانهيار اقتصادي، تبرز أزمة التربية باعتبارها “أم الأزمات” ومنبع كل الاختلالات. إنها الأزمة التي تُنتج بقيّة الأزمات وتعيد تدويرها جيلاً بعد جيل. فأمة لا تُربّي، لا تبني، ولا تنهض، ولا تخرج من التيه مهما رفعت من شعارات التنمية والتقدم.

في هذه المجتمعات، لا يُنظر إلى التربية كفعل مؤسس للإنسان، بل كإجراء تقني لتعليم الأطفال كيف يتهجون الكلمات ويجتازون الامتحانات. المدرسة تتحول إلى مصنع بائس لإنتاج شهادات بلا معنى، والبيت يتحول إلى ملجأ للراحة أو للتوبيخ، لا للتهذيب والنمو. أما الشارع، فغالباً ما يكون الأستاذ الحقيقي، يُلقّن ما لا تُدرّسه المناهج، ويزرع في الأطفال ما تعجز الأسرة والمدرسة عن نزعه.

في المجتمعات المتقدمة، تبدأ التربية من السؤال، من الفضول، من إشعال نار البحث في ذهن الطفل. أما في المجتمعات المتخلفة، فالتربية تبدأ من الخوف، من إسكات الطفل، من إفهامه أن عليه أن يطيع، لا أن يفكر، أن يحفظ، لا أن يفهم، أن ينصاع، لا أن يحتج.

وتتجلى مأساة هذه التربية حين يُنظر إلى الطفل لا ككائن نامٍ له شخصية مستقلة وحق في التعبير والاختلاف، بل كنسخة مصغرة من “الكبار”، ينبغي أن يخضع لهم، يرضيهم، ويكمل ما عجزوا هم عن تحقيقه. لا يُربّى الطفل ليصبح نفسه، بل ليصبح “ما يريده الآخرون”. ولهذا حين يكبر، يكون هشاً، ضائعاً بين ما يظنه صواباً وما قيل له إنه صواب.

وتُضاف إلى هذا الإشكال أن المدرسة، بدل أن تكون فضاءً للتحرر، تتحول في كثير من الأحيان إلى فضاء للجمود. المناهج مكرورة، الأفكار مؤدلجة، والمقاربة التربوية تفتقر في كثير من الحالات إلى الإبداع والانفتاح. لا مجال للنقاش، لا مكان للفن، ولا وزن حقيقي للأخلاق الفعلية، بل فقط لـ”النقط”، و”السلوك”، و”الصمت”.

في مثل هذه البيئات، من الطبيعي أن نُنتج شباباً لا يثقون بأنفسهم، ولا يحسنون إدارة ذواتهم، ولا يميزون بين الحق والباطل، لأنهم تعلّموا الطاعة أكثر مما تعلّموا الحرية. شبابًا تتقاذفهم الخطابات الدينية والسياسية والعاطفية، لأنهم لم يُسلّحوا بالقدرة على التفكير النقدي، ولم يتعودوا أن يسألوا: لماذا؟

التربية ليست فقط ما يُلقّن في المدارس، بل هي منظومة تشمل الإعلام، والفن، والمحيط العام. وفي المجتمعات المتخلفة، كل هذه الفضاءات مشوهة. الإعلام يمجّد التفاهة، الفن يكرّس الابتذال، والمجتمع يحاكم الأفراد على ما يلبسون أو يعتقدون، لا على ما ينجزون. التربية هنا ليست أداة للترقي، بل أداة للضبط الاجتماعي، لضمان استمرارية البؤس في نسخته المعلّبة.

وحين نقول إن أزمة التربية هي أمّ الأزمات، فنحن لا نبالغ. فالحاكم المستبد هو ابن تربية لا تعلّمه أن يُحاسب، والفاسد هو ابن تربية لا تغرس فيه قيمة الأمانة، والجبان هو ابن تربية تقول له “لا تتدخل”، والعنصري هو ابن تربية تقسّم الناس حسب الطائفة والعرق، والمرأة المقهورة هي ضحية تربية تؤمن أن القهر نوع من “الحياء”.

إن أي إصلاح حقيقي، سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، لا يمكن أن ينجح في ظل تربية مريضة. لأن هذه التربية ستعيد إنتاج نفس الوجوه، ونفس العقليات، ونفس المشاكل، حتى لو تغيّر الدستور، أو تبدّلت الحكومة، أو تدفقت الأموال.

لذلك، يبقى التحدي الأكبر لأي مشروع نهضوي هو: كيف نربّي؟ لا كيف ندرّس، ولا كيف نلقّن، بل كيف نُنتج أناسًا أحرارًا، واثقين، أخلاقيين، لا يخافون من الفكرة، ولا يخجلون من السؤال، ولا يترددون في الوقوف ضد الخطأ، ولو جاء من فوق.

ففي النهاية، لا تنهض الأمم من تحت الأنقاض بالإسمنت وحده، بل بالتربية أولاً، لأن التربية هي ما يُبقي الجدران واقفة حين تهتز الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.