الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تُسرق الشراكة باسم الله: قصص النصب في تربية الماشية بين القرى والمدن

ضربة قلم

منذ سنوات طويلة، اعتاد بعض سكان القرى والبوادي، أن يعرضوا على معارفهم وأقاربهم، بل وحتى على غرباء عن الدار والدوار، فكرة “الاشتراك” في تربية الخرفان أو الأبقار. فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة ونبيلة: شخص يملك الخبرة والمكان والعلف الطبيعي، وشخص آخر يملك المال ويرغب في استثماره دون عناء التنقل، أو الاشتغال المباشر. هكذا وُلد ما يشبه “شراكة فلاحية شعبية”، تقوم على الثقة والكلمة، أكثر مما تقوم على العقود والوثائق.

هذه العروض غالبًا ما تُوجَّه إلى سكان المدن، الذين لا يتوفرون على فضاءات لتربية الماشية، وإلى مغاربة المهجر الذين يبحثون عن استثمار صغير في بلدهم الأصلي، يجمع بين الربح وصلة الرحم، والمساهمة في إعالة أسر قروية. في البداية، يبدو كل شيء طبيعياً: تُشترى الخرفان أو الأبقار، وتُربّى في الضيعات أو الحظائر، ويتفق الطرفان على تقاسم الربح عند البيع بعد وقت غير محدد.

غير أن الواقع، في حالات كثيرة، لا يسير وفق هذا السيناريو الوردي. إذ يجد كثير من “الشركاء بالمال” أنفسهم مع مرور الشهور، مجبرين على إرسال مبالغ مالية إضافية، تحت مسمى العلف، أو الدواء، أو مصاريف غير متوقعة. يتم ذلك عبر وكالات تحويل الأموال، في صمت، ومن دون إيصالات واضحة، أو حسابات مضبوطة. إلى هنا، ما يزال الأمر في نطاق الممكن والمفهوم، لأن تربية الماشية، فعلًا تحتاج إلى مصاريف، والظروف المناخية قد تفرض أعباء إضافية.

لكن غير العادي، وغير المقبول أخلاقياً، أن تتحول هذه الشراكات، عند بعض ضعاف النفوس إلى لعبة “ميسا”، أي لعبة الورق التي يُلهَف فيها كل شيء دفعة واحدة. فبعضهم يتعمّد الاستحواذ على القطيع كله، ويخرج بعين باردة ليقول لشريكه: “لا شهود لك، والمحاكم مفتوحة أبوابها”. عبارة قصيرة، لكنها تختصر منطقًا خطيرًا: منطق أكل أموال الناس بالباطل، والاحتماء بضعف الإثبات بدل قوة الحق.

وهناك فئة أخرى لا تلجأ إلى المواجهة الصريحة، بل إلى مسرحيات متكررة، تبدأ عادة بمكالمة هاتفية، محمّلة بنبرة حزينة ومبهمة:
“أنا وشريكي راه وقع شي مشكل… والله يفعل ما يريد…”
ثم تأتي الجملة الأخطر والأكثر شيوعًا:
“الله بغا واحد الخروف اليوم.”
أي خبر موت جديد، وخسارة جديدة، وطلب غير مباشر لتعويضها.

تتكرر القصة، كلما ضاقت الأحوال بصاحب القطيع: مرة مرض مفاجئ، مرة برد قارس، مرة حادث عرضي، مرة سرقة غامضة، ومرة “قضاء وقدر”. وفي كل مرة، يُطلب من الشريك أن يصبر، وأن يحتسب، وأن يرسل مالاً جديدًا، لأن “القطيع أمانة في عنقه”، ولأن “الشراكة خسارة وربح”.

الخطير في هذه الممارسات، ليس فقط ضياع المال، بل تحطيم الثقة الاجتماعية. فحين تنتشر مثل هذه السلوكيات، يصبح كل عرض شراكة مشبوهاً، وكل تعاون محل شك، وتُضرب فكرة الاستثمار القروي في مقتل. والأسوأ من ذلك، أن بعض من يمارسون هذه الحيل، يغلّفونها بلغة دينية، فيجعلون من “الموت” و”القدر” و”مشيئة الله” ستارًا لإخفاء سوء التدبير أو النية المبيّتة.

والأدهى، أن كثيرًا من الضحايا يختارون الصمت. لا يلجؤون إلى القضاء، إما لأنهم لا يملكون وثائق، أو لأنهم يخجلون من الاعتراف بأنهم خُدعوا، أو لأن المبلغ لا يستحق عناء المحاكم في نظرهم. وهكذا تمرّ القصص من فم إلى فم، وتتحول إلى حكايات تُروى في المجالس، دون أن تتحول إلى دروس عملية أو ردع حقيقي.

في العمق، نحن أمام مشكلة مركّبة:
مشكلة أخلاقية، لأن الشراكة تقوم على الأمانة قبل الربح.
ومشكلة قانونية، لأن غياب التوثيق يفتح الباب للتلاعب.
ومشكلة اجتماعية، لأن هذا السلوك يضرب في صميم التضامن، بين المدينة والبادية، وبين الداخل والمهجر.

فالبدوي الذي يخون شريكه لا يسيء إلى نفسه فقط، بل يسيء إلى صورة البادية كلها، كما أن الشريك الذي يغامر بماله دون عقد أو حساب دقيق يتحمل بدوره جزءًا من المسؤولية. العلاقة السليمة تقتضي وضوحًا منذ البداية: عدد الرؤوس، نوعها، مكانها، كيفية البيع، نسبة الربح، وتوثيق ذلك ولو بورقة بسيطة.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تتغذى على الصمت، وعلى الخلط بين الطيبة والسذاجة، وبين الثقة والتفريط. وما دام بعض الناس يربحون من الكذب، سيستمر الكذب. وما دام بعض الشركاء يرسلون الأموال دون سؤال ولا حساب، سيستمر الاستنزاف.

لهذا، لم يعد مقبولًا أن تظل هذه الممارسات تُبرر بعبارات من قبيل: “هكذا هي البادية” أو “هكذا هي الشراكة”. فالبادية مثل المدينة فيها الصالح والطالح، والشراكة ليست مقامرة، بل عقد أخلاقي، قبل أن تكون عقدًا ماليًا.

وفي زمن غلاء المعيشة وشدة الحاجة، يصبح الامتحان الحقيقي للقيم، هو كيف نتعامل مع مال غيرنا، ومع ثقة غيرنا. فمن خان في خروف اليوم، قد يخون في بقرة غدًا، وقد يخون في إنسان بعد ذلك. وهكذا تبدأ القصة صغيرة، وتنتهي كبيرة، لأنها لا تتعلق بالحيوان فقط، بل بميزان العدل في النفوس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.