حين تُقاس قيمة الإنسان بالتعويض: مقارنة صادمة بين العدالة في إسبانيا والمغرب

ضربة قلم
أعاد حكم قضائي صادر عن محكمة ماجاداهوندا بمدريد، تسليط الضوء على الفوارق العميقة بين منطق التعويض عن حوادث السير في كل من إسبانيا والمغرب، بعدما قضى لفائدة أسرة شاب مغربي، مقيم بإسبانيا، توفي في حادثة سير وقعت بالمغرب، بتعويض ناهز 300 ألف يورو، مقابل عرض أولي من شركة التأمين، لم يتجاوز 37 ألف درهم لفائدة الوالدين.
هذه القضية لا تطرح فقط إشكالاً قانونياً، بل تفتح نقاشاً عميقاً، حول فلسفة العدالة ذاتها، وموقع الضحية داخل المنظومة القضائية، وقيمة الحياة البشرية في ميزان التشريع.
فلسفة مختلفة للتعويض
ينطلق القضاء الإسباني من مبدأ جوهري مفاده، أن التعويض يجب أن يكون كاملاً وشاملاً، ومتناسباً مع حجم الضرر الإنساني، وليس مجرد إجراء شكلي لتصفية ملف. لذلك، أخذت المحكمة بعين الاعتبار سن الضحية، ووضعه الاجتماعي، ومركز حياته، والأثر النفسي والمادي لفقدانه على أسرته، قبل أن تقرر تعويضاً يعكس حجم الفاجعة.
في المقابل، ما يزال النظام المغربي، خاضعاً لمقتضيات قانونية تعود إلى سنة 1984، تعتمد مقاربة حسابية جامدة، تحد من سلطة القاضي التقديرية، وتختزل الضحية في أرقام تقنية، لا تراعي لا البعد الإنساني ولا التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.
القاضي بين النص والعدالة
في التجربة الإسبانية، يتمتع القاضي بهامش واسع في التقدير، ويحتكم إلى مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية، ما يجعل الحكم القضائي، أقرب إلى رد الاعتبار الرمزي والمعنوي للأسرة المفجوعة.
أما في المغرب، فالقاضي يجد نفسه محكوماً، بنصوص تقيد سلطته، وتجعل دوره أقرب إلى التطبيق الآلي، لقواعد جاهزة، حتى وإن بدت غير منصفة في حالات كثيرة.
الفارق هنا، لا يعود إلى كفاءة القاضي، بل إلى طبيعة النص القانوني الذي يحرره أو يكبله.
موقع الضحية في المنظومتين
اعتمدت المحكمة الإسبانية، معيار “مركز الحياة”، معتبرة أن إقامة الضحية واستقراره الاجتماعي بإسبانيا، يبرران تطبيق القانون الإسباني، رغم وقوع الحادث بالمغرب. وهو توجه يعكس تصوراً حديثاً للعدالة، يجعل مصلحة الضحية، محور الحكم، لا مجرد الجغرافيا.
في المقابل، يظل منطق القضاء المغربي، مرتبطاً أساساً بمكان وقوع الحادث، دون اعتبار كافٍ لخصوصية وضعية الضحية أو ارتباطاته الاجتماعية والاقتصادية خارج الوطن.
شركات التأمين: بين الردع والحماية
من أبرز الفوارق أيضاً أن القانون الإسباني، يشترط إيداع مبلغ التعويض، قبل قبول الطعن بالاستئناف، حماية لحقوق المتضررين ومنعاً للمماطلة.
أما في المغرب، فتفاوض شركات التأمين، غالباً من موقع قوة، مستفيدة من طول المساطر وضعف التعويضات، ما يجعل الأسرة في موقع هش أمام مؤسسات مالية قوية.
سؤال أخلاقي وتشريعي
لا يدين هذا الحكم المغرب قضائياً، لكنه يطرح سؤالاً أخلاقياً وتشريعياً بالغ الحساسية:
هل حياة المغربي داخل بلده، أقل قيمة قانونياً من حياته خارجه؟
وهل يمكن الاستمرار في اعتماد منظومة تعويضات، وُضعت في سياق تاريخي مختلف، بينما تغير المجتمع وتغيرت كلفة العيش ومعايير الكرامة الإنسانية؟
خلاصة
ما كشفته هذه القضية يتجاوز حدود نزاع فردي، ليعري حاجة ملحة إلى إصلاح تشريعي عميق، لمنظومة التعويض عن حوادث السير في المغرب، إصلاح يجعل من الضحية محور العدالة، ويمنح القاضي سلطة تقديرية أوسع، ويحد من هيمنة شركات التأمين على مسار الملفات.
فالعدالة لا تُقاس فقط بمكان وقوع الحادث، بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان، بعد موته، وضمان حق أسرته في تعويض منصف، يعترف بحجم الفقد، لا أن يحوله إلى رقم هزيل في جدول قديم.




