الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين تُهدم البيوت وتُرمَّم الوعود… دوار البرادعة بالمحمدية بين فأس السلطة وامتحان الكرامة

ضربة قلم

شهد دوار البرادعة بمدينة المحمدية، في الصباح الباكر من اليوم الخميس 22 يناير 2026، عملية هدم واسعة شملت مساكن عدد من الأسر، نفذتها السلطات العمومية بمواكبة أمنية مكثفة. العملية، التي تمت بشكل مفاجئ ودون إشعار مسبق بحسب روايات الساكنة، خلّفت حالة من الصدمة والارتباك في صفوف العائلات المتضررة، خاصة النساء والأطفال، وأعادت إلى الواجهة نقاشًا حادًا حول الحق في السكن، وحدود استعمال السلطة، ومدى احترام البعد الإنساني في تدبير ملفات الهشاشة الاجتماعية.

وقد تزامن هذا التدخل مع صدور بلاغ عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المحمدية، كنّا قد نشرناه للتو، ندّدت فيه بما اعتبرته هدمًا قسريًا ينتهك الحق في السكن ويخالف الالتزامات الحقوقية للمغرب. كما أكد البلاغ أن ساكنة دوار البرادعة كانت منخرطة في مسار حوار مع السلطات المحلية، عبر لجنة تمثيلية، أملًا في التوصل إلى حلول تراعي أوضاعها الاجتماعية، وتمكّن الأسر من مهلة زمنية معقولة لإيجاد بدائل تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.

غير أن المفارقة التي عمّقت منسوب الغضب والالتباس، وزادت من فقدان الثقة، تمثلت في خروج ما سُمّيت بـلجنة الحوار، المكوّنة من ثلاثة أشخاص، ببيان وتصريحات بدت، في نظر عدد واسع من الساكنة والمتابعين، وكأنها تناقض الوقائع الميدانية، أو على الأقل، تفرغ ما جرى من محتواه الصادم. إذ ظهر أحد أعضاء اللجنة في تسجيل، وهو يبعث رسائل تطمين للساكنة، مؤكّدًا أن الجميع “سيستفيد”، وأن الجانب الاجتماعي والإنساني “سيتم أخذه بعين الاعتبار”، استنادًا – بحسب قوله – إلى اجتماع جمع اللجنة بقائد الشؤون الداخلية بعمالة المحمدية.

وهنا، لا يطرح الرأي العام فقط سؤال النوايا، بل يطرح، وبإلحاح، سؤال الضمانات.
فالتطمين الشفهي، بعد وقوع الهدم، لا يحمل نفس القيمة ولا نفس الوزن، الذي كان يمكن أن يحمله قبل إنزال الجرافات. والكلمة، حين تُقال بعد الفعل، لا تعالج الجرح، بل قد تزيده عمقًا، لأنها تأتي متأخرة، وفي سياق مشحون بانكسار الثقة.

أول ما يُطرح في هذا السياق:
هل يمكن الوثوق في وعود تصدر بعد أن تم تنفيذ القرار بالقوة؟
فالجهة التي أشرفت على الإنزال الأمني، وهي نفسها الجهة التي تُفترض اليوم أنها “تضمن” البعد الإنساني، هي من اختارت، عمليًا، تجاوز منطق التدرج والحوار، واعتمدت أسلوب المباغتة. وهذا وحده كفيل بجعل أي التزام لاحق، محل تشكيك مشروع، لا بدافع سوء النية، بل بدافع التجربة الملموسة.

ثم إن الحديث عن “استفادة الجميع”، يظل فضفاضًا، ما لم يُؤطر بمعايير دقيقة وواضحة:
من هم “الجميع”؟
ما طبيعة هذه الاستفادة؟
متى ستتحقق؟
وبأي آجال؟
وهل تشمل الأسر التي لم تكن مدرجة أصلًا في لوائح سابقة؟
أم أننا أمام انتقائية، قد تُفرز فئات “مستفيدة” وأخرى “منسية”؟

الأخطر من ذلك، أن أي وعد، مهما بدا مطمئنًا في الخطاب، يظل بلا قيمة قانونية أو أخلاقية، ما لم يُترجم إلى التزام مكتوب، أو بروتوكول واضح، يحدد المسؤوليات، والآجال، وآليات التنفيذ، وسبل الطعن في حال الإخلال. فالدولة، حين تتحدث بلغة المؤسسات، لا يمكن أن تُدار ملفات بهذا الحجم، بمنطق “اطمئنوا” و“الأمور ستُحل”، دون وثيقة، ودون أثر إداري ملموس.

إن التجربة المغربية، ومعها تجارب عديدة لساكنة دور الصفيح في مدن مختلفة، علمت الناس درسًا قاسيًا:
أن الوعود الشفوية، مهما صدرت من مواقع نفوذ، تظل هشة، وقابلة للتبخر عند أول تغيير في المزاج الإداري أو الأولويات. ولذلك، فإن مطالبة الساكنة بضمانات مكتوبة، ليست تشكيكًا مجانيًا، بل هي حق مشروع، نابع من الخوف، ومن ذاكرة جماعية مثقلة بالخذلان.

أما الدور الحقيقي لأي لجنة تمثيلية، فلا ينبغي أن ينحصر في نقل خطاب السلطة إلى الساكنة، بل يفترض أن يكون العكس:
أن تنقل وجع الساكنة، وشروطها، ومخاوفها، إلى السلطة، وأن تُلزم هذه الأخيرة، بتعهدات واضحة، قابلة للمساءلة. وحين تتحول اللجنة، عن وعي أو عن غير وعي، إلى أداة للتهدئة بعد وقوع الضرر، فإنها تفقد جوهر مشروعيتها، وتصبح جزءًا من الإشكال بدل أن تكون جزءًا من الحل.

لهذا، يظل السؤال الجوهري قائمًا، وبإلحاح:
هل من أنزل الفأس فوق رؤوس الأسر، وأدخل الأطفال في صدمة الفقد، يمكن أن يُؤتمن وحده على جبر الضرر؟
وأي معنى للحديث عن “البعد الإنساني”، حين لم يُحترم الزمن الإنساني، قبل الهدم، ولم تُقدَّم بدائل ملموسة، قبل تشريد الأسر؟

إن ما يحتاجه دوار البرادعة اليوم، ليس مزيدًا من الخطابات المهدئة، ولا تسجيلات تطمين، بل التزامات مكتوبة، شفافة، ومعلنة، تضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، وتحفظ كرامة الأسر، وتعيد – ولو جزئيًا – الثقة المكسورة بين المواطن والإدارة. ودون ذلك، ستظل كل الوعود، مهما حسنت نوايا أصحابها، معلقة في الهواء، لا تصمد أمام واقع الجرافات، ولا أمام ذاكرة الألم.

آخر الكلام:

الحقوق لا تُحمى بالتصريحات، بل بالضمانات والالتزامات الموثقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.