الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

حين رحل السند… وترك الفراغ يصرخ

م-ص

كان الحيّ ينام باكرًا، إلا بيت فاطمة… ذاك البيت الصغير الذي صار منذ وفاة أبيها كالمسجد المهجور، صامتًا إلّا من أنينٍ يتسلل من جدرانه.

كانت تجلس قرب المصباح الزيتي، تفتّش في الصور القديمة، تبحث في ملامح والدها عن قطعة من الأمان الذي ضاع معها. لم يكن أبًا فقط، كان سندًا يحمل الفقر بيد، ويحملها بيد أخرى، كأنها آخر ما بقي له من الدنيا.

منذ رحيله، تغيّرت الأزقّة. نفس الجدران، نفس الوجوه، لكن شيئًا في قلبها تهدّم. كانت تشعر أن الأرض صارت أوسع من خطواتها، وأن السماء أثقل من كتفيها. كلما عادت من السوق، محمّلة بالهمّ قبل الخبز، تذكّرت كيف كان يسبقها بابتسامته، وكيف كان يُخفي عجزه عن التعبير عما يخالجه كي لا يراها تبكي.

في المدرسة، صار صمتها يفضحها. زميلاتها يتحدّثن عن آبائهن: من اشترى لابنته حقيبة جديدة، ومن اصطحب عائلته للنزهة. كانت تضحك معهن، ثم تنكمش في آخر الصفّ، كأن قلبها لا يحتمل مزيدًا من الفراغ.

في الليل، كان البرد يزحف من تحت الباب، فتسحب البطانية الممزقة على جسدها النحيل، وتحدّث نفسها: “لو كان أبي هنا، لغطّاني بصدره، ولما احتجت لبطانية أصلاً”.

رحيل السند ليس موتًا لشخص واحد، بل موتٌ متكرر لمن بقي. فاطمة مازالت تتنفس، لكنها تعيش كل يوم جنازةً جديدة. جنازة في الطريق حين ترى رجلاً يمسك بيد ابنته. جنازة في المدرسة حين تسمع ضحكات الأبناء. وجنازة في بيتها حين تصحو على فراغ الكرسيّ الذي لم يعد أحد يملؤه.

ومع ذلك، تُقاوم. تجمع بقايا قوتها، تقف أمام المرآة وتقول: “أبي لم يتركني لليأس… تركني للوصية، أن أكون قوية.” ثم تخرج إلى الحياة، بخطوات واهنة، لكنها محمولة على حنين، ودمعة لا تجفّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.