حين صار السمسار سيد المهنة… والباقون مجرد كومبارس!

ضربة قلم
في عالم لم يعد فيه الشرف يُدرّ دخلاً، ولا الكفاءة تُدرّ احترامًا، ظهر السمسار الحديث، ذاك الكائن المتحوّل الذي يتقن العبور بين المهن كما يتنقل البعوض بين المستنقعات: بلا إذن، بلا خجل، وبقدرة عجيبة على امتصاص ما حوله.
السماسرة اليوم لا يقفون عند حدود العقار أو السيارات كما كان الحال قديمًا، بل اخترقوا كل المهن:
في الطب، هناك سمسار يُوصي بمصحة “مناسبة” مقابل نسبة.
في التعليم، سمسار “ينسّق” بين الآباء والمدارس الخصوصية، المحاماة، سمسار يعرف من “يتكلم” ومن “يصمت”.
في الصحافة، سمسار يبيع العناوين على المقاس ويقايض الأقلام بالامتيازات.
أما في السياسة… فحدّث ولا حرج! فكل شيء يُدار بـ”الوساطة”، حتى ضمير الأمة صار يحتاج وسيطًا لتشغيله!
السمسار لا يشتغل في مهنة محددة، بل يعيش بين السطور، في تلك المنطقة التي لا يضبطها قانون ولا يراقبها ضمير.
يُجيد التلون كالحرباء، يرتدي ملابسه وحتى وإن كانت متسخة، حين يكون في مكتب، ويقتبس من كل لهجة ما يخدم مصلحته.
ولأنه يفهم قواعد اللعبة جيدًا، صار بعضهم يُقدّم نفسه على أنه “فاعل خير” أو “منسّق”، وكأننا لا نعرف أن كل خير عنده يمر عبر فاتورة مكتوبة بالحبر غير المرئي.
أما محبّو السماسرة، فهؤلاء فصلٌ آخر من المسرحية.
يعشقون “الوسطاء” لأنهم “يسلكون الأمور”، ويفتخرون بعبارة: عندي واحد يعرف الكبار.
إنهم لا يبحثون عن العدالة، بل عن الطريق الأقصر للوصول إلى النتيجة، ولو على حساب كرامتهم.
تراهم يدافعون عن السمسار كأنه بطل قومي، ويتفاخرون بمعرفته كما لو أنه جواز سفر إلى عالم “المعقول الملتوي”!
الغريب أن السماسرة لا يُطردون من أي مجال، بل يتكاثرون مثل الطحالب في المياه الراكدة، ولنا في حانة رخيصة معروفة باسم “الحاج ميلود” وتقع في مدينة صغيرة من يفرض ست جعاع يوميا…
في مكاتب التوظيف، في المؤسسات العمومية، في الجمعيات، في البلديات، وحتى في “مراكز الدفاع” حيث يُفترض أن يكون الضمير هو الحارس الأخير، تجد من يبيع المعلومة، ويشتري السكوت، ويوزع الابتسامات على مقاس المصلحة.
لقد أصبحنا نعيش في جمهورية السماسرة، حيث لا شيء يتحرك دون عمولة، ولا أحد يتقدم دون “توصية”، وحيث الشريف يُعتبر غبيًا لأنه لم “يتعلم كيف تمشي الأمور”.
في هذا البلد العجيب، السمسار ليس طفيليًا… بل أصبح جزءًا من النظام البيئي!
إنه يعيش بيننا، يتغذى على ضعفنا، ويتكاثر بالفساد… وكلما واجهته بنزاهة، يضحك ساخرًا ويقول:
“سير يا خويا، هاد الزمان ما بقاش فيه بلاصة للنيّة!”




