
ضربة قلم
في المغرب، لم يعد الفرح ترفًا، بل صار حاجة ملحّة، تشبه حاجة الناس إلى التقاط أنفاسهم، بعد سباق طويل مع الهموم اليومية. كثرت الأسباب التي تُثقِل الصدور، من غلاء المعيشة إلى ضيق الأفق، ومن أخبار لا تُطمئن إلى انتظارٍ، صار أسلوب حياة. وسط هذا كله، يبحث المغاربة عن لحظة ينسون فيها ثقل الواقع، ولو لساعات قليلة.
اليوم، جاء الفرح على هيئة كرة قدم. جاء بسيطًا، واضحًا، ومشتركًا بين الجميع. تأهل المنتخب المغربي، إلى نصف نهائي كأس إفريقيا 2025 بعد فوزه المستحق على الكاميرون بهدفين دون مقابل، فخرج المغاربة من بيوتهم، كما لو أن المدينة كلها قررت أن تتنفس دفعة واحدة.
لم يكن الخروج من أجل النتيجة فقط، بل من أجل الإحساس. الشوارع امتلأت بالسيارات، والأعلام، والأصوات التي أعلنت الفرح، بلا موعد مسبق. منبهات السيارات صدحت بقوة، وكأنها تقول إن هذا الشعب، مهما أثقلته الأيام، ما زال يحتفظ بصوت قادر على الفرح، وبقلب لا يزال يستجيب لنداء الانتصار.
في تلك اللحظات، اختفت الفوارق الاجتماعية. لم يعد مهمًا من أين أتيت، ولا ماذا تعمل، ولا كم تحمل في جيبك. الجميع كان مغربيًا فقط. عامل أنهكته ساعات العمل، طالب يطارده القلق، متقاعد يراقب الغلاء بصمت، كلهم التقوا عند لحظة واحدة، عنوانها البسيط: نريد أن نفرح.
كرة القدم لا تحل الأزمات الاقتصادية، ولا تداوي الجراح الاجتماعية العميقة، لكنها تفعل شيئًا لا يقل أهمية؛ تمنح الناس إحساسًا مؤقتًا بالانتصار، وتُعيد إليهم الثقة، بأن الفرح ممكن، وأن الجماعة لا تزال قادرة على الالتقاء حول شيء جميل.
فوز المنتخب لم يكن مجرد عبور إلى نصف النهائي، بل كان تذكيرًا بأن هذا الشعب، رغم الإنهاك، لم يفقد قدرته على الاحتفال، ولم يتخلَّ عن حلمه في لحظات أقل قسوة. كانت ليلة قال فيها المغاربة، دون خطب ولا شعارات، إنهم يستحقون الفرح، وإنه حق مشروع بعد طول صبر.
هكذا، لم تكن مباراة أمام الكاميرون، مجرد مواجهة كروية، بل مناسبة إنسانية بامتياز، لحظة قصيرة من الضوء في زمن يحتاج فيه المغاربة، إلى كل ذرة أمل. لحظة أثبتت أن الفرح، حين يأتي صادقًا، قادر على أن يوحّد، ويخفف، ويمنح الناس سببًا إضافيًا للاستمرار.
ديما مغرب… لا كعبارة عابرة، بل كحالة شعورية، تبحث عن غدٍ أقل ثقلًا، وتتمسك بالفرح كلما أُتيحت لها الفرصة.
ونأمل أن يتجدد هذا الفرح، في مباراة نصف النهائي، وأن يمتد إلى النهائي، ليكتمل الحلم وتبقى الكأس في المغرب، بين جماهيره وعلى أرضه، عربون وفاء لشعب عطِش للفرح ويستحقه عن جدارة.




