الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

حين غنّت إديث بياف ما عجز المغاربة عن قوله

ضربة قلم

في زمنٍ لم تعد فيه الأغاني، تُغنّى فقط للحبّ والفراق، بل أصبحت تُستدعى أحياناً كبياناتٍ رمزية بامتياز، تظهر إديث بياف من عمق التاريخ، لا لتعتلي خشبة “أولمبيا”، بل لتجلس في الصفوف الأمامية، لمسرح اجتماعي واسع اسمه: “الواقع”.

عنوان يبدو للوهلة الأولى، كأنه مزحة أدبية… لكنه في الحقيقة مرآة لمرحلة كاملة تُغنّى فيها السياسة بلسان الفن، ويُكتب فيها الاحتجاج بنوتات موسيقية قديمة.

 “لا، لا أندم على شيء”… ولكن بأي معنى؟

في النسخة المغربية الرمزية، لا تعود الأغنية مجرد قصة امرأة تغلق دفتر الماضي، بل تتحول إلى جملة جماعية مشحونة بالأسئلة:

“لا، لا نندم على شيء…”

لكن هنا، الندم ليس فردياً، بل جماعيٌّ صغير يتسلل بين تفاصيل الحياة اليومية:
أسعار تتغير بسرعة نشرة الأخبار، ووعود تتجدد، كأنها لا تعرف التقاعد، وانتظارات طويلة تتقن فنّ البقاء في مكانها.

وكأن الجملة الأصلية، فقدت براءتها الرومانسية، وأصبحت قابلة للتأويل في كل اتجاه، إلا اتجاه واحد: الصمت.

حين يتحول الفن إلى لغة موازية

في هذا المشهد الرمزي، لا تحتاج المجتمعات دائماً إلى خطاب مباشر كي تقول ما تريد.
أحياناً يكفي لحن قديم، كي يفتح باباً على نقاش جديد.

إديث بياف هنا، ليست صوت باريس بعد الحرب، بل صوتاً افتراضياً يُستعار لقول ما لا يُقال بسهولة:

  • لا أحد يصرّح بالاحتجاج مباشرة…
  • لكن الأغنية تقوم بالمهمة بهدوء أنيق.
  • والجمهور يفهم دون شرح طويل.

إنه نوع من “الدبلوماسية الموسيقية” التي لا تحتاج إلى بيان رسمي، ولا بلاغ توضيحي.

الشعب بين الكوبليه والكورس

في هذا التوظيف الرمزي، يتحول المشهد إلى ثنائية لافتة:

  • الكورس: “لا، لا نندم على شيء”
  • الكوبليه المخفي: “لكن من سيشرح لنا كل هذا التكرار؟”

هنا، الأغنية لا تُسمع فقط، بل تُعاد كتابتها في ذهن المستمع، كلٌّ حسب تجربته مع الزمن، والانتظار، والأسئلة الصغيرة التي تتكاثر بصمت.

الذاكرة حين تصبح مادة أولية للسخرية

السخرية في هذا السياق، ليست تهكماً، بل طريقة لتخفيف ثقل الأسئلة:

الوعود التي تشبه نشرات الطقس:
دائماً هناك “تحسن مرتقب”، لكن المطر يأتي وحده دون استشارة.

والإصلاحات التي تبدو أحياناً، كأنها مشاريع مؤجلة بصفة دائمة، لا تموت ولا تكتمل، فقط تتغير تواريخها.

وفي هذه المسافة بين القول والفعل، تتسلل الأغنية، كتعليق غير مباشر على المشهد.

خاتمة: أغنية لا تنتهي

في النهاية، لا إديث بياف تنوب فعلياً عن أحد، ولا الأغنية تتحول إلى بيان سياسي رسمي.

لكن الرمزية تفعل ما لا يفعله الخطاب المباشر:
تفتح نافذة للسؤال دون أن تصطدم بالجدار.

ويبقى السؤال معلقاً على آخر نغمة:

هل نحن أمام أغنية عن “عدم الندم”…أم أمام مجتمع، يتعلم كيف يعيد صياغة ذاكرته بصوت موسيقي خافت، كي لا يسمع ضجيج الأسئلة كثيراً؟

وهكذا يشطب جزء واسع من المغاربة، ذكريات هذه الحكومة من سجل الانتظارات الكبرى، ويضعونها في رفوف الأرشيف السياسي إلى جانب تجارب أخرى مرّت وتركت وراءها كثيراً من الأسئلة وقليلاً من الأجوبة. غير أن ما يجعل الدم يغلي حقاً، ليس فقط حصيلة يختلف الناس حول تقييمها، بل ذلك الإحساس المتزايد بأن بعض المسؤولين باتوا يتحدثون ويمارسون السياسة، وكأنهم ينوبون عن مصالحهم الخاصة أكثر مما ينوبون عن المواطنين الذين أوصلوهم إلى مواقع القرار. فحين يصبح الدفاع عن الامتيازات أسرع من الدفاع عن القدرة الشرائية، وحين تُصاغ الأولويات بلغة الحسابات الضيقة، بدل لغة المصلحة العامة، لا يعود المواطن بحاجة إلى معارضة أو استطلاعات رأي ليكوّن حكمه. عندها تكفيه ذاكرته اليومية، وفواتيره، وأسعار السوق، ليعلن على طريقته الخاصة نهاية الأغنية: لا، لا أندم على شيء… لقد تم تشطيب الذكريات، وإغلاق الملف، وحفظه في الأرشيف دون حق الطعن أو الاستئناف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.