حين قرر الوزير أن يوزّع العطلة بدل العقل… والباقي على الله والباكالوريا!

ضربة قلم
وزير سابق اسمه محمد حصاد، نعم، كانت له لحظة في الشمس. الرجل طلب من مديري الأكاديميات تقارير عن العيوب، فقط العيوب، وكأنه جاء ليرمم بيتًا آيلاً للسقوط بيده المجردة، لا ليبارك ما تبقى من الديكور المتقشّف في قطاع التعليم. لم يكن رجل استعراض ولا صاحب خطب رنانة، لكنه حين جاء، جاء بجدية تقطع الشك باليقين: كان يعرف أن السقف يتسرب منه الماء، فطالب بخرائط التشققات، لا بصور الزينة. لم يبع الوهم، ولم يستغفل العقول. قال لنا باختصار: “أروني الخراب كي أراه كما هو”… ومن لا يعجبه هذا النوع من الصراحة، فليعد إلى دفاتر التلوين.
قد يختلف الناس حول فاعليته أو مآلات قراراته، وقد يكون مرَّ كما تمر موجة صغيرة على شاطئ منسي، لكنه لم يأتِ ليزرع ابتسامات مغشوشة ولا وزّع العطل كما توزع حلويات العيد. رجل جاء يحمل مطرقة في زمن كان فيه الجميع يبحث عن مزمار. لا أحد تذكر ما فعله، بل بالكاد نتذكر اسمه إن لم تكن الذاكرة الجماعية لأسرة التعليم قوية كذاكرة الجدّات أيام “الراديو “. رحل كما جاء، خفيف الظل في المرور، ثقيل الأثر في اللا أثر. ومع ذلك، فقد كان على الأقل يدرك الفرق بين لحظة التقويم ولحظة التزيين.
لكن لا بأس. هذه البلاد لا تخلُ أبدًا من العجائب، فكلما غادرنا وزير، جاءنا آخر ومعه مفاجآت لا تخطر على عقل عفريت. وها نحن مع وزير جديد… محمد سعد برادة. الاسم يوحي بالبرودة، لكن قراراته حارقة كطنجرة ضغط تُركت على النار حتى تبخّر فيها المنطق. الرجل، كما يعرف المغاربة، يستثمر في الشوكولاتة، ولا عيب في ذلك، فقط المشكلة أن القطاع الذي يديره لا يحتاج إلى حلاوة ولا “نوغا”، بل يحتاج إلى من يعرف الفرق بين امتحانات الباكالوريا وفترة القطاف في ضيعة الكاكاو.
فلنأخذ فقط مثالًا بسيطًا: عطلة مدرسية سنة 2026 تبدأ يوم 3 ماي، وتنتهي بعد عشرة أيام، أي تقريبا منتصف الشهر. جميل، أليس كذلك؟ استراحة مستحقة للتلاميذ والطلبة والمدرسين… فقط المشكلة أن امتحانات الباكالوريا ستأتي بعد أيام قليلة، ما يعني أن التلميذ سيعود من عطلة يشبه طقسها صيف غامبيا، ليلتحق مباشرة بقاعة الامتحان دون مرور بمختبر التحضير النفسي أو حتى مراجعة “حصة وحدة”.
من قرر هذه العطلة؟ لا أحد يعلم. وكيف مرّت؟ ورقة طريق، يقولون. مذكرة، يجيبون. لكن ما لا يقولونه، هو أن عقلًا ما قرر أن يمزج شوكولاتة برادة مع زمن التعلم، وكأن المدرسة مجرد محل حلويات لا ضرر إن أغلق أبوابه في وجه من يبحث عن مستقبل.
الوزير الجديد وقّع المذكرة، أو ربما “وقّعوه فيها” كما نقول بالدارجة، وبينما كان يمسك بالقلم، لا يُستبعد أن ذهنه كان مشغولًا بخطوط الإنتاج في مصنع الشوكولاتة، لا بخطوط التصدّع التي تسير فيها منظومتنا التعليمية. نحن لا نطالب بالمعجزات، فقط نريد من يفهم أن العطلة تُوضع في وقتها، والامتحان في سياقه، وأن الطفل ليس قطعة “براوني” تُخبز ثم تُترك لتبرد، بل كائن حيّ يحتاج إلى إعداد نفسي ومعرفي، لا تُربكه عطلة مفاجئة بطعم السكر وتوقيت الحيرة، بل عقل يجب أن يُستنهض لا أن يُربك قبل أن يُحاسب.
في هذا البلد، ننتقل من وزير يقلب الطاولة ليحصي التشققات، إلى آخر يغطّيها بورق “الكارطون” المزين بـ”كريما” المواعيد والوعود. وبين هذا وذاك، لا أحد يفكر في أن المدرسة ليست مختبر تجارب، ولا حقل شوكولاتة، ولا مسرح عبث. إنها آخر ما تبقّى لنا من أمل، ورغم ذلك، تسير كقارب خشبي فوق موج سياسي عشوائي، طاقمه يجهل الفرق بين البوصلة وميزانية الوزارات.
نحن في موسم القرارات الغريبة. عطلة في زمن الامتحانات، وعودة مدرسية في زمن العطالة، وتخطيط يشبه رسم طفل يحاول تقليد خريطة العالم وهو يضحك.
فلتضحكوا أنتم أيضًا، ما دمنا نحن الباقين للبكاء.




