الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الافتتاحية

حين كانت الكلمة تُقلق.. حكاية جريدة هزّت صمت مدينة

محمد صابر

في نهاية الثمانينيات، حين كانت الكلمة تُكتب بمداد القلب قبل الحبر، وحين كان الحلم أكبر من الإمكانيات، وُلدت تجربة صحفية متواضعة في ظاهرها، لكنها كانت في عمقها مغامرة وجود. لم تكن مجرد جريدة تحمل اسم “أصداء المحمدية”، بل كانت صدىً لمدينة، تبحث عن صوتها، وعن مرآة تعكس ملامحها كما هي، بلا مساحيق ولا رتوش.

كنتُ يومها أؤمن، وربما بقدر من السذاجة الجميلة، أن الصحافة يمكن أن تغيّر العالم، أو على الأقل أن تُربك سكونه. اخترتُ أن تكون الجريدة مزدوجة اللغة، عربيةً وفرنسيةً، لا استعراضًا ثقافيًا، بل إيمانًا بأن الحقيقة لا لغة لها، وأن الرسالة الصادقة تجد طريقها مهما اختلفت الحروف.

لم أكن وحدي في تلك الرحلة. كانت هناك وجوه مضيئة، أسماء لم تكن مجرد زملاء، بل رفاق درب: شعيب حمادي، بهدوئه العميق وبذكائه المتقد، الذي لا يعرف سقفًا؛ ومحمد آيت لشكر، الذي كان يرى في كل خبر نبضًا إنسانيًا قبل أن يكون مادة إعلامية؛ وسميرة سطايل، التي كانت تحمل في صوتها شيئًا من الجرأة النادرة، والتي تشغل اليوم منصب سفيرة المغرب في فرنسا. لم يكونوا يكتفون بتسليمي مقالاتهم، بل كانوا يوقّعونها بخط أيديهم، وكأنهم يضعون جزءًا من أرواحهم فوق الورق. كنا نصوّر تلك التوقيعات وننشرها، لأننا كنا نؤمن أن الكلمة، حين تُكتب باليد، تصبح أكثر صدقًا وأقرب إلى القلب.

أتذكر جيدًا ذلك العنوان الذي كتبناه بالفرنسية، وكنتُ وراء نشره على أعمدة يومية “لوبينيون”:
Un bol d’oxygène à Info-Soir.

كان مجرد نص عن سميرة، قبل أن يتعرّف عليها المشاهدون، وهي تقدّم الأخبار بالفرنسية من أحد استوديوهات دار البريهي، لكنه حمل في طياته نفسًا مختلفًا. كان رد فعل بسيطًا في ظاهره، لكنه فتح نافذة، وربما بابًا، لوجوه جديدة على الشاشة، ولطريقة أخرى في تقديم الخبر. كانت تلك لحظة صغيرة، لكنها علمتني أن الكلمة، مهما بدت عابرة، قد تُحدث شرخًا في جدار الصمت.

أمرٌ تجاوب معه علي باسطا، الذي كان يرأس تحرير الأخبار بالفرنسية، حيث ستظهر سميرة في بيوت المغاربة، وهي تخبرهم بأهم الأخبار الوطنية والدولية.

بعد ذلك، وفي كواليس تلك السنوات، كنا نصنع أسماءً ونمنحها ألقابًا ساخرة أحيانًا، حنونة أحيانًا أخرى. حين كتبت سميرة عن السيدا، لم نرَ في المقال، الذي نُشر بدوره في “لوبينيون”، مجرد مادة صحفية، بل رأينا شجاعة مواجهة موضوع، كان آنذاك يُهمس به ولا يُقال. أطلقنا عليها، في لحظة مزاح، لقب “Samira Sidail”، لكن خلف المزاح كان هناك تقدير عميق، لجرأة نادرة.

وجديرٌ بالذكر أنه، بعد انتقال سميرة سطايل إلى قناة “دوزيم”، تطوّعت لدعم المغربي عمر الرداد، الذي اعتُقل بفرنسا بتهمة قتل مُشغّلته، حيث جمعت توقيعات كثيرة دعمًا لمواطننا في محنته، قبل أن تمرّ الأيام لتُثبت براءته الحقيقية من تلك الجريمة.

لم تكن الصحافة آنذاك مهنة مريحة، بل كانت مغامرة محفوفة بالمفاجآت. ذات مرة، كتبنا خبرًا صغيرًا عن وزير فرنسي، ميشال شاراس، الذي وجد نفسه في المحمدية لقضاء عطلة “اضطرارية” بعد سحب رخصة سياقته. كتبناها بخفة ظل، وتمنّينا، في زلة قلم، ألا تُسحب منه “رخصة الصيد” بالمغرب. كانت مادة بسيطة، لكن أحدهم حمل العدد الذي تضمنها إلى وكالة دولية، لتتحول إلى خبر يعبر الحدود. يومها أدركت أن الكلمة، مهما بدت محلية، قد تصبح كونية في غفلة من صاحبها.

لكن أجمل ما في تلك التجربة، لم يكن في الأسماء ولا في القصص الطريفة، بل في الأثر. كنا نكتب، فيتحرّك شيء ما: قنطرة بلولندان، التي ظلت لسنوات مهملة، تعود إلى الحياة؛ طريق يُعاد إصلاحه؛ مسؤول يُسائل؛ وواقع يُزعج من اعتادوا النوم فوقه. لم نكن أبطالًا، لكننا كنا نؤمن أن الضوء، مهما كان خافتًا، قادر على كشف العتمة.

لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. كانت هناك ضغائن، وأحقاد، وملفات قضائية تتكاثر، كما لو كانت جزءًا من المهنة. أتذكر ذلك اليوم الذي وجدنا فيه أنفسنا أمام قضيتين في جلسة واحدة. وقفنا ندافع عن أنفسنا في الملف الأول، ثم جلسنا ننتظر دورنا في الثاني. حين استغرب القاضي الأمر، اقترحنا، بنبرة لا تخلو من سخرية، أن يُخصَّص لنا مكتب داخل المحكمة لتسهيل حضورنا. ضحك الجميع، لكن خلف الضحك، كانت هناك حقيقة مرة: الصحافة التي تزعج تدفع ثمنها.

ومع ذلك، واصلنا. أسسنا جمعيات صحفية، وشاركنا في مبادرات، وحلمنا بتأطير المهنة، وإعطائها بعدًا مؤسساتيًا. كنا نتحرك بين الصحافة والعمل الجمعوي، نحاول أن نربط الكلمة بالفعل، وأن نجعل من الحلم مشروعًا.

ربما كانت “غلطة العمر” حين ظننا أن الهواء في بلادنا يشبه هواء الديمقراطيات العريقة، فأسسنا جمعيةً لتتبّع الشأن العام المحلي. لم يكن الذنب في الفكرة، بل في التوقيت. أغضبنا من لا يُحب أن يُراقَب، فبدأت حرب صامتة: إعلانات تُقطع، أبواب تُغلق، وضغوط تُمارس في الخفاء. كان واضحًا أن الكلمة الحرة، تُقلق أكثر مما تُقنع.

ومن غرائب تلك المرحلة، أن العامل الذي كان يسير عمالة المحمدية، والذي لم يُخفِ انزعاجه من مبادرتنا، بل وساهم في عرقلتها بكل الوسائل، لو كان الأمر بيده، لما تردد في الزج بنا في السجن. غير أن الأقدار، شاءت مفارقة لافتة، إذ لم تمضِ سوى أشهر قليلة، حتى وجد نفسه أمام محنة شخصية قاسية، بعد أن اعتُقل ابنه بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء، قادمًا من الخارج، على خلفية قضية اختلاس أموال من مؤسسة بنكية مغربية، ليُودَع سجن عكاشة.

ولم يكن في استحضار هذه الواقعة أي نزوع إلى الشماتة، بقدر ما هو تأكيد على أن موازين الأمور لا تبقى ثابتة، وأن من يضيّق اليوم، قد يجد نفسه غدًا في موقع مختلف تمامًا.

ومع ذلك، لم نندم، لأن الصحافة، في جوهرها، ليست طريقًا نحو الراحة، بل نحو المعنى. هي ذلك الإحساس العميق بأنك، ولو بكلمة، تضع حجرًا صغيرًا في بناء كبير اسمه الحقيقة.

اليوم، حين أعود بذاكرتي إلى تلك السنوات، لا أرى فقط جريدةً صدرت وأخرى استمرت، ولا مقالات كُتبت، بل أرى حياةً كاملة عشناها بين السطور. أرى وجوهًا رحلت، وأخرى ما زالت تقاوم، وأرى مدينةً كانت تبحث عن صوتها… فوجدته، ولو للحظات، في صفحات جريدة.

 

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. ماشاءالله صحفي مخضرم و مميز و نزيه الله أثر من أمثالكم أستاذنا محمد صابر🙏

    1. شكرا لك جزيلا غزلان على تعريفك بهذه القامة الاعلامية المتميزه و الملتزمة بقضايا الوطن.
      تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.