مجتمع

حين كانت المحمدية تُزرع بالحبّ لا تُبنى بالخرسانة

ضربة قلم

كنا قد أثرنا سابقًا موضوع “عقبة الحاج الميلودي”، ذلك الفضاء الصغير الذي لم يكن مجرد معبرٍ بين زنقتين، بل شاهدًا على زمنٍ كامل من القيم والوجوه والعلاقات التي لا تُشترى. فالحاج الميلودي لم يكن مجرد مالك أراضٍ، بل رمزًا لجيلٍ جسّد الوقار والكلمة الصادقة والاحترام المتبادل. كان زمنه زمن الأرض الخصبة والهواء النقي، قبل أن تبتلع المدينة كرومها وحقولها لتُشيَّد مكانها فيلات ومركّبات بلا روح.

كانت عقبة الحاج الميلودي معبرًا بين عالمين:
عالم الحياة الشعبية الدافئة في زنقة بغداد، حيث الجيران أسرة واحدة، يتقاسمون الخبز والهمّ والفرح، وعالم أكثر هدوءًا وغموضًا في زنقة سبتة، حيث تختلط الذاكرة بالصمت وتنبعث من الجدران رائحة الأيام الخوالي. كانت العقبة حدًّا زمانيًا ومكانيًا، يفصل بين زمنين ويجمع بين الناس على الودّ والمروءة والذاكرة المشتركة. ومع مرور الزمن، تلاشت العقبة من الذاكرة العامة، وتحولت إلى مجرد اسمٍ على الخريطة، بعدما دُفنت رمزية المكان تحت إسمنت الحداثة المصطنعة.

الفيلات الجديدة لا تعرف تاريخ الأرض التي بُنيت عليها، ولا تعبأ بأسماء أهلها الذين عاشوا فيها بصفاء نية وسلام. كانت تلك البقاع تنبض بالحياة، والآن تسكنها الجدران الصمّاء التي لا تعرف الضحك ولا الجيرة ولا الحنين. وهكذا تحوّل النص، في جوهره، إلى رثاءٍ حضريّ لعهدٍ كان فيه الإنسان أكبر من العقار، وكانت العلاقات تُبنى على الثقة والنية، لا على الأسوار الحديدية والعقود الرسمية.

ولعل ما حدث في المنطقة السفلى من المحمدية يُجسّد هذا التحول بأوضح صوره. فمقر كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الواقع اليوم بشارع الحسن الثاني، لم يكن في الأصل إلا محطة لتلفيف الخضر والبواكر ظلت تحمل اسم “نور” كانت في ملكية الفقير لحسن (بنحميد)، رحمه الله، حيث كانت الشاحنات الصغيرة تصطف صباحًا وسط ضجيج الحياة البسيطة وروائح التراب النديّ. أما العمارات المجاورة فكانت يومًا دوّارًا صغيرًا لبيوتٍ تقليدية، غير بعيد عن الدار الكبيرة للمرحوم شعشوعة، التي كانت معلَمًا شعبيًا ومعقلًا لذاكرة الناس ودفء الملتقيات القديمة.

الحقول التي كانت تُزرع فيها الخضر والنعناع تحولت إلى إقامة “9 يوليوز”، والطريق الرابطة بين ابتدائية المحمدية وشاطئ المدينة كانت هي الأخرى تُستغل في الزراعة قبل أن تبتلعها موجة الإسمنت. حتى غابة برانس، تلك الرقعة الخضراء التي كانت متنفسًا لأهل المدينة، لم تسلم من الزحف العمراني الذي حوّلها إلى عمارات متراصة بلا ظلّ ولا ذاكرة.

لقد تغيّر وجه المدينة، وغابت الأسماء التي كانت تروي تاريخها. اختفى الحاج الميلودي ومعه جيلٌ كامل كان يرى في الأرض امتدادًا للكرامة، لا سلعة في سوق العقار. وبين الأمس واليوم، لم تتغير فقط البنايات، بل تغيّر معنى الانتماء ذاته، حين صار الحنين آخر ما تبقّى من الأمكنة، وصارت المحمدية، التي كانت تنبض بالبساطة والودّ، تبحث اليوم عمّن يروي حكايتها… كي لا تُنسى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.